فصل: تفسير الآية رقم (4)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏107‏]‏

‏{‏وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ‏(‏107‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ‏}‏ تقرير لما أورد في حيز الصلة من سلب النفع من المعبودات الباطلة وتصوير لاختصاصه به سبحانه أي وإن يصبك بسوء ما ‏{‏فَلاَ كاشف لَهُ‏}‏ عنك كائناً من كان وما كان ‏{‏إِلاَّ هُوَ‏}‏ وحده فثبت عدم كشف الأصنام بالطريق البرهاني، وهو بيان لعدم النفع برفع المكروه المستلزم لعدم النفع بجلب المحبوب استلزاماً ظاهراً، فإن رفع المكروه أدنى مراتب النفع فإذا انتفى انتفى النفع بالكلية ‏{‏وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ‏}‏ تحقيق لسلب الضرر الوارد في حيز الصلة أي إن يرد أن يصيبك بخير ‏{‏فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ‏}‏ الذي من جملته ما أرادك به من الخير، فهو دليل على جواب الشرط لا نفس الجواب، وفيه إيذان بأن فيضان الخير منه تعالى بطريق التفضل والكرم من غير استحقاق عليه سبحانه أي لا أحد يقدر على رده كائناً من كان فيدخل فيه الأصنام دخولاً أولياً، وهو بيان لعدم ضرها بدفع المحبوب قبل وقوعه المستلزم لعدم ضرها برفعه أو بإيقاع المكروه استلزاماً جلياً؛ ولعل ذكره الإرادة مع الخير والمس مع الضر مع تلازم الأمرين لأن ما يريده سبحانه يصيب وما يصيب لا يكون إلا بإرادته تعالى للإيذان بأن الخير مقصود لله تعالى بالذات والضر إنما يقع جزاء على الأعمال وليس مقصوداً بالذات، ويحتمل أنه أريد معنى الفعلين في كل من الخير والضر لاقتضاء المقام تأكيد كل من الترغيب والترهيب إلا أنه قصد الإيجاز في الكلام فذكر في أحدهما المس وفي الآخر الإرادة ليدل بما ذكر في كل جانب على ما ترك في الجانب الآخر، ففي الآية نوع من البديع يسمى احتباكاً وقد تقدم في غير آية، ولم يستثن سبحانه في جانب الخير إظهاراً لكمال العناية به وينبىء عن ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ‏}‏ حيث صرح جل شأنه بالإصابة بالفضل المنتظم لما أراد من الخير، وقيل‏:‏ إنما لم يستثن جل وعلا في ذلك لأنه قد فرض فيه أن تعلق الخير به واقع بإرادته تعالى وصحة الاستثناء تكون بإرادة ضده في ذلك الوقت وهو محال، وهذا بخلاف مس الضر فإن إرادة كشفه لا تستلزم المحال وهو تعلق الإرادتين بالضدين في وقت واحد، وفي العدول عن يرد بك الخير إلى ما في النظم الجليل إيماء كما قيل إلى أن المقصود هو الإنسان وسائر الخيرات مخلوقة لأجله، وما أشرنا إليه من رجوع ضمير ‏{‏بِهِ‏}‏ إلى الفضل هو الظاهر المناسب، وجوز رجوعه لما ذكر وليس بذاك، وحمل الفضل على العموم أولاً وآخراً حسبما علمت هو الذي ذهب إليه بعض المحققين راداً على من جعله عبارة عن ذلك الخير بعينه على أن يكون الإتيان به أولاً ظاهراً من باب وضع المظهر موضع المضمر إظهاراً لما ذكر من الفائدة بأن قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ‏}‏ يأبى ذلك لأنه ينادي بالعموم، ويجوز عندي أن يكون الكلام من باب عندي درهم ونصفه، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الغفور الرحيم‏}‏ تذييل لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُصَيبُ بِهِ‏}‏ الخ مقرر لمضمونه والكل تذييل للشرطية الأخيرة مقرر لمضمونها‏.‏

وذكر الإمام في هذه الآيات أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 105‏]‏ لا يمكن أن يكون نهياً عن عبادة الأوثان لأن ذلك مذكور في قوله سبحانه أول الآية‏:‏ ‏{‏لاَ أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 104‏]‏ فلا بد من حمل هذا الكلام على ما فيه فائدة زائدة وهي أن من عرف مولاه لو التفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك شركاً وهو الذي يسميه أصحاب القلوب بالشرك الخفي، ويجعل قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 106‏]‏ إشارة إلى مقام هو آخر درجات العارفين لأن ما سوى الحق ممكن لذاته موجود بإيجاده والممكن لذاته معدوم بالنظر إلى ذاته وموجود بإيجاب الحق وحينئذٍ فلا نافع إلا الحق ولا ضار إلا هو وكل شيء هالك إلا وجهه وإذا كان كذلك فلا رجوع إلا إليه عز شأنه في الدارين‏.‏

ومعنى ‏{‏فَإِن فَعَلْتَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 106‏]‏ الخ فإن اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله تعالى فأنت من الظالمين أي الواضعين للشيء في غير موضعه إذ ما سوى الله تعالى معزول عن التصرف فإضافة التصرف إليه وضع للشيء في غير موضعه وهو الظلم، وطلب الانتفاع بالأشياء التي خلقها الله تعالى للانتفاع بها من الطعام والشراب ونحوهما لا ينافي الرجوع بالكلية إلى الله تعالى بشرط أن يكون بصر العقل عند التوجه إلى شيء من ذلك مشاهداً لقدرة الله تعالى وجوده وإحسانه في إيجاد تلك الموجودات وإيداع تلك المنافع فيها مع الجزم بأنها في أنفسها وذواتها معدومة وهالكة ولا وجود لها ولا بقاء ولا تأثير إلا بإيجاد الله تعالى وإبقائه وإفاضة ما فيها من الخواص عليها بجوده وإحسانه، وقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن يَمْسَسْكَ الله‏}‏ الخ تقرير لأن جميع الممكنات مستندة إليه سبحانه وتعالى وإنه لا معول إلا عليه عز شأنه، وهو كلام حسن بيد أن زعمه أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 105‏]‏ لا يمكن أن يكون نهياً عن عبادة الأوثان الخ لا يخفى ما فيه‏.‏ وقد ذكر نحو هذا الكلام في الآيات ساداتنا الصوفية، ففي أسرار القرآن أنه سبحانه خوف نبيه صلى الله عليه وسلم من الالتفات إلى غيره في اقباله عليه سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين‏}‏ أي من الطالبين غيري والمؤثرين على جمال مشاهدتي ما لا يليق من الحدثان، وقد ذكروا أن إقامة الملة الحنيفية بتصحيح المععرفة وهو لا يكون إلا بترك النظر إلى ما سوى الحق جل جلاله، ثم أنه تعالى زاد تأكيداً للإقبال عليه والاعراض عما سواه بقوله جل شأنه‏:‏

‏{‏وَلاَ تَدْعُ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 106‏]‏ الخ حيث أشار فيه إلى أن من طلب النفع أو الضر من غيره تعالى فهو ظالم أي واضع للربوبية في غير موضعها‏.‏ ومن هنا قال شقيق البلخي‏:‏ الظالم من طلب نفعه ممن لا يملك نفع نفسه واستدفع الضر ممن لا يملك الدفاع عن نفسه ومن عجز عن إقامة نفسه كيف يقيم غيره، وقرر ذلك بقوله تعالى‏:‏ وإن يمسسك الخ‏.‏

ومن ذلك قال ابن عطاء‏:‏ إنه تعالى قطع على عباده الرهبة والرغبة إلا منه وإليه بإعلامه أنه الضار النافع؛ وقد يكون الضر إشارة إلى الحجاب والخير إشارة إلى كشف الجمال أي إن يمسسك الله بضر الحجاب فلا كاشف لضرك إلا هو بظهور أنوار وصاله وإن يردك بكشف جماله فلا راد لفضل وصاله من سبب وعلة فإن المختص في الازل بالوصال لا يحتجب بشيء من الأشياء لأنه في الفضل السابق مصون من جريان القهر ‏{‏هذا‏}‏ ولعله مغن عن الكلام من باب الإشارة في الآيات حسبما هو العادة في الكتاب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏108‏]‏

‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ‏(‏108‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ‏}‏ يا أيها الرسول مخاطباً لأولئك الكفرة بعد ما بلغتهم ما أوحى إليك أو للمكلفين مطلقاً كما قال الطبرسي ‏{‏قُلْ ياأيها الناس قَدْ جَاءكُمُ الحق مِن رَّبّكُمْ‏}‏ وهو القرآن العظيم الظاهر الدلالة المشتمل على محاسن الأحكام التي من جملتها ما مرآنفا من أصول الدين واطلعتم على ما في تضاعيفه من البينات والهدى ولم يبق لكم عذر، وقيل‏:‏ المراد من الحق النبي صلى الله عليه وسلم وفيه من المبالغة ما لا يخفى‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد أن ‏{‏الحق‏}‏ هو ما دل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنْ يُمْسِكُ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 107‏]‏ الخ وهو كما ترى ‏{‏فَمَنُ اهتدى‏}‏ بالإيمان والمتابعة ‏{‏فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ‏}‏ أي منفعة اهتدائه لها ‏{‏وَمَن ضَلَّ‏}‏ بالكفر والاعراض ‏{‏فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا‏}‏ أي فوبال ضلاله عليها، قيل‏:‏ والمراد تنزيه ساحة الرسالة عن شائبة غرض عائد إليه عليه الصلاة والسلام من جلب نفع ودفع ضر، ويلوح إليه إسناد المجيء إلى الحق من غير اشعار بكون ذلك بواسطته صلى الله عليه وسلم ‏{‏وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ‏}‏ أي بحفيظ موكول إلى أمركم وإنما أنا بشير ونذير، وفي الآية إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام لا يجبرهم على الإيمان ولا يكرههم عليه وإنما عليه البلاغ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها منسوخة بآية السيف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏109‏]‏

‏{‏وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ‏(‏109‏)‏‏}‏

‏{‏واتبع‏}‏ في جميع شؤونك من الاعتقاد والعمل والتبليغ ‏{‏مَا يوحى إِلَيْكَ‏}‏ على نهج التجدد والاستمرار، والتعبير عن بلوغ الحق المفسر بالقرآن إليهم بالمجيء وإليه صلى الله عليه وسلم بالوحي تنبيه على ما بين المرتبتين من التنافي، وإذا أريد من الحق ما قيل فالأمر ظاهر جداً ‏{‏واصبر‏}‏ على ما يعتريك من مشاق التبليغ وأذى من ضل ‏{‏حتى يَحْكُمَ الله‏}‏ بالنصرة عليه أو بالأمر بالقتال ‏{‏وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين‏}‏ إذ لا يمكن الخطأ في حكمه تعالى لاطلاعه على السرائر كاطلاعه على الظواهر، وغيره جل شأنه من الحاكمين إنما يطلع على الظواهر فيقع الخطأ في حكمه، ولا يخفى ما في هذه الآيات من الموعظة الحسنة وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم ووعد للمؤمنين والوعيد للكافرين والحمد لله تعالى رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين الذي يؤنس ذكره قلوب الموحدين وعلى آله وصحبه أجمعين‏.‏

‏[‏سورة هود‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم الر‏}‏ اسم للسورة على ما ذهب إليه الخليل‏.‏ وسيبويه‏.‏ وغيرهما أو للقرآن على ما روي عن الكلبي‏.‏ والسدى، وقيل‏:‏ إنها إشارة إلى اسم من أسمائه تعالى أو صفة من صفاته سبحانه، وقيل‏:‏ هي إقسام منه تعالى بما هو من أصول اللغات ومبادي كتبه المنزلة ومباني أسمائه الكريمة، وقايل وقيل، وقد تقدم الكلام فيما ينفعك هنا على أتم تفصيل، واختار غير واحد من المتأخرين كونها اسماً للسورة وأنها خبر مبتدأ محذوف أي هذه السورة مسماة بالر وقيل‏:‏ محلها الرفع على الابتداء أو النصب بتقدير فعل يناسب المقام نحو اذكر أو اقرأ، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كِتَابٌ‏}‏ خبر لها على تقدير ابتدائيتها أو لمبتدأ محذوف على غيره من الوجوه، والتنوين فيه للتعظيم أي كتاب عظيم الشأن جليل القدر ‏{‏أُحْكِمَتْ ءاياته‏}‏ أي نظمت نظماً محكماً لا يطرأ عليه اختلال فلا يكون فيه تناقض أو مخالفة للواقع والحكمة أو شيء مما يخل بفصاحته وبلاغته فالأحكام مستعار من إحكام البناء بمعنى اتقانه أو منعت من النسخ لبعضها أو لكلها بكتاب آخر كما وقع للكتب السالفة فالأحكام من أحكمه إذا منعه؛ ويقال‏:‏ أحكمت السفيه إذا منعته من السفاهة، ومنه قول جرير

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم *** إني أخاف عليكم إن أغضبا

وقيل‏:‏ المراد منعت من الفساد أخذاً من أحكمت الدابة إذا جعلت في فمها الحكمة وهي حديدة تجعل في فم الدابة تمنعها من الجماح، فكأن ما فيها من بيان المبدأ والمعاد بمنزلة دابة منعها الدلائل من الجماح، ففي الكلام استعارة تمثيلية أو مكنية‏.‏ وتعقب بأن تشبيهها بالدابة مستهجن لا داعي إليه، ولعل الذوف يفرق بين ذلك وبين تشبيهها بالجمل الأنوف الوارد في بعض الآثار لانقيادها مع المتأولين لكثرة وجوه احتمالاتها الموافقة لأغراضهم‏.‏

واعترض بعضهم على إرادة المنع من الفساد بأن فيه إيهام ما لا يكاد يليق بشأن الآيات الكريمة من التداعي إلى الفساد لولا المانع، فالأول إذ يراد معنى المنع أن يراد المنع من النسخ ويراد من الكتاب القرآن وعدم نسخه كلا أو بعضاً على حسب ما أشرنا إليه؛ وكون ذلك خلاف الظاهر في حيز المنع‏.‏

وادعى بعضهم أن المراد بالآيات آيات هذه السورة وكلها محكمة غير منسوخة بشيء أصلاً، وروي ذلك عن ابن زيد وخولف فيه‏.‏ وادعى أن فيها من المنسوخ أربع آيات قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ والله على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 12‏]‏ ‏{‏وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 121‏]‏ والتي تليها ونسخت جميعا بآية السيف و‏{‏مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 51‏]‏ الآية ونسخت بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 18‏]‏ ولا يخلو عن نظر، ويجوز أن يكون المعنى منعت من الشبه بالحجج الباهرة وأيدت بالأدلة الظاهرة أو جعلت حكمية أي ذات حكمة لاشتمالها على أصول العقائد والأعمال الصالحة والنصائح والحكم، والفعل على هذا منقول من حكم بالضم إذا صار حكيماً، ومنه قول نمر بن تولب‏:‏

وأبغض بغيضك بغضاً رويدا *** إذا أنت حاولت أن تحكما

فقد قال الأصمعي‏:‏ إن المعنى إذا حاولت أن تكون حكيماً، وفي إسناد الإحكام على الوجوه المذكورة إلى الآيات دون الكتاب نفسه لا سيما إذا أريد ما يشمل كل آية آية من حسن الموقع والدلالة على كونه في أقصى غاياته ما لا يخفى ‏{‏ثُمَّ فُصّلَتْ‏}‏ أي جعلت مفصلة كالعقد المفصل بالفرائد التي تجعل بين اللاالىء، ووجه جعلها كذلك اشتمالها على دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص أو فصل فيها مهمات العباد في المعاش والمعاد على الإسناد المجازي أو جعلت فصلاً فصلاً من السورو يراد بالكتاب القرآن، وقيل‏:‏ يصح أن يراد به هذه السورة أيضاً على أن المعنى جعلت معاني آياتها في سور ولا يخفى أنه تكلف لا حاجة إليه‏.‏ أو فرقت في التنزيل فلم تنزل جملة بل نزلت نجماً نجماً على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، و‏{‏ثُمَّ‏}‏ على هذا ظاهرة في التراخي الزماني لما أن المتبادر من التنزيل المنجم فيه التنزيل المنجم بالفعل، وإن أريد جعلها في نفسها بحيث يكون نزولها منجماً حسب الحكمة فهو رتبي لأن ذلك وصف لازم لها حقيق بأن يرتب على وصف أحكامها، وهي على الأوجه الأول للتراخي الرتبي لا غير، وقيل‏:‏ للتراخي بين الأخبارين‏.‏ واعترض بأنه لا تراخي هناك إلا أن يراد بالتراخي الترتيب مجازاً أو يقال بوجوده باعتبار ابتداء الخير الأول وانتهاء الثاني‏.‏

وأنت تعلم أن القول بالتراخي في الرتبة أولى خلا أن تراخى رتبة التفصيل بأحد المعنيين الأولين عن رتبة الأحكام أمر ظاهر وبالمعنى الثالث فيه نوع خفاء، ولا يخفى عليك أن الاحتمالات في الآية الحاصلة من ضرب معاني الأحكام الأربعة في معاني التفصيل كذلك وضرب المجموع في احتمالات المراد بثم تبلغ اثنين وثلاثين أو ثمانية وأربعين احتمالاً ولا حجر‏.‏ والزمخشري ذكر للأحكام على ما في الكشف ثلاثة أوجه‏.‏ أخذه من أحكام البناء نظراً إلى التركب البالغ حد الإعجاز‏.‏ أو من الأحكام جعلها حكيمة‏.‏ أو جعلها ذات حكمة فيفيد معنى المنع من الفساد، وللتفصيل أربعة‏.‏ جعلها كالقلائد المفصلة بالفرائد لما فيها من دلائل التوحيد وأخواتها، وجعلها فصولاً سورة سورة وآية آية‏.‏ وتفريقها في التنزيل‏.‏ وتفصيل ما يحتاج إليه العباد وبيانه فيها روي هذا عن مجاهد، وقال‏:‏ إن معنى ‏{‏ثُمَّ‏}‏ ليس التراخي في الوقت ولكن في الحال كما تقول هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل، وفلان كريم الأصل ثم كريم الفعل‏.‏

والظاهر أنه أراد أنها في جميع الاحتمالات كذلك، وفيه أيضاً أنه إذا أريد بالإحكام أحد الأولين وبالتفصيل أحد الطرفين فالتراخي رتبي لأن الأحكام بالمعنى الأول راجع إلى اللفظ والتفصيل إلى المعنى، وبالمعنى الثاني وإن كان معنوياً لكن التفصيل اكمال لما فيه من الإجمال، وان أريد أحد الأوسطين فالتراخي على الحقيقة لأن الأحكام بالنظر إلى كل آية في نفسها وجعلها فصولاً بالنظر إلى بعضها مع بعض أو لأن كل آية مشتملة على جمل من الألفاظ المرصفة وهذا تراخ وجودي، ولما كان الكلام من السائلات كان زمانياً أيضاً، ولكن الزمخشري آثر التراخي في الحال مطلقاً حملا على التراخي في الأخبار في هذين الوجهين ليطابق اللفظ الوضع وليظهر وجه العدول من الفاء إلى ثم، وإن أريد الثالث وبالتفصيل أحد الطرفين فرتبي وإلا فأخباري، والأحسن أن يراد بالأحكام الأول وبالتفصيل أحد الطرفين وعليه ينطبق المطابقة بين ‏{‏حيكم‏}‏ ودخبير‏}‏ و‏{‏‏}‏ و‏{‏كِتَابٌ أُحْكِمَتْ‏}‏ و‏{‏فُصّلَتْ‏}‏ ثم قال‏:‏ ومنه ظهر أن التراخي في الحال يشمل التراخي الرتبي والأخباري انتهى فليتأمل، وقرىء ‏{‏أُحْكِمَتْ‏}‏ بالبناء للفاعل المتكلم و‏{‏فُصّلَتْ‏}‏ بفتحتين مع التخفيف وروي هذا عن ابن كثير، والمعنى ثم فرقت بين الحق والباطل، وقيل‏:‏ ‏{‏فُصّلَتْ‏}‏ هنا مثلها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا فَصَلَتِ العير‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 94‏]‏ أي انفصلت وصدرت ‏{‏مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ‏}‏ صفة لكتاب وصف بها بعد ما وصف بأحكام آياته وتفصيلها الداليت على علو مرتبته من حيث الذات إبانة لجلالة شأنه من حيث الإضافة أو خبر ثان للمبتدأ الملفوظ أو المقدر أو هو معمول لأحد الفعلين على التنازع مع تعلقه بهما معنى أي من عنده أحكامها وتفصيلها واختار هذا في الكشف‏.‏ وفي الكشاف أن فيه طباقاً حسناً لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها أي بينها وشرحها خبير عالم بكيفيات الأمور ففي الآية اللف والنشر، وأصل الكلام على ما قال الطيبي‏:‏ أحكم آياته الحكيم وفصلت الخبير ثم عدل عنه إلى أحكمت حكيم وفصلت خبير على حد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والاصال رِجَالٌ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 36-37‏]‏ على قراءة البناء للمفعول، وقوله‏:‏

لبيك يزيد ضارع لخصومة *** ومختبط مما تطيح الطوائح

ثم إلى ما في النظم الجليل لما في الكناية من الحسن مع إفادة التعظيم البالغ الذي لا يصل إلى كنهه وصف الواصف لا سيما وقد جيء بالاسمين الجليلين منكرين بالتنكير التفخيمي، و‏{‏لَّدُنْ‏}‏ من الظروف المبنية وهي لأول غاية زمان أو مكان، والراد هنا الأخير مجازاً، وينبت لشبهها بالحرف في لزومها استعمالاً واحداً وهي كونها مبدأ غاية وامتناع الأخبار بها وعنها ولا يينى عليها المبتدأ بخلاف عند ولدي فانهما لا يلزمان استعمالاً واحداً بل يكونان لابتداء الغاية وغيرها ويبنى عليهما المبتدأ كما في قوله سبحانه‏:‏

‏{‏وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 59‏]‏ ‏{‏وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 35‏]‏ قيل‏:‏ ولقوة شبهها بالحرف وخروجها عن نظائرها لا تعرب إذا أضيفت‏.‏ نعم جاء عن قيس اعرابها تشبيهاً بعند وعلى ذلك خرجت قراءة عاصم ‏{‏بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 2‏]‏ بالجر واشمام الدال الساكنة الضم واقترانها بمن كما في الآية، وكذا إضافتها إلى مفرد كيفما كان هو الغالب وقد تتجرد عن من وقد تضاف إلى جملة اسمية كقوله‏:‏

وتذكر نعماه لدن أنت يافع *** وفعلية كقوله‏:‏

صريح غوان راقهن ورقنه *** لدن شب حتى شاب سود الذوائب

ومنع ابن الدهان من إضافتها إلى الجملة وأول ما ورد من ذلك على تقدير أن المصدرية بدليل ظهورها معها في قوله‏:‏

وليت فلم تقطع لدن ان وليتنا *** قرابة ذي قربى ولاحق مسلم

ولا يخفى ما في التزام ذلك من التكلف لا سيما في مثل لدن أنت يافع وتتمحض للزمان إذا أضيفت إلى الجملة، وجاء نصب غدوة بعدها في قوله‏:‏

لدن غدوة حتى دنت لغروب *** وخرج على التمييز، وحكى الكوفيون رفعها بعدها وخرج على إضماء كان، وفيها ثمان لغات‏.‏ فمنهم من يقول ‏{‏لَّدُنْ‏}‏ بفتح اللام وضم الدال وسكون النون وهي اللغة المشهورة، وتخفف بحذف الضمة كما في عضد وحينئذ يتلقى ساكنان‏.‏ فمنهم من يحذف النون لذلك فيبقى لد بفتح اللام وسكون الدال‏.‏ ومنهم من لا يحذف ويحرك الدال فتحا فيقول ‏{‏لَّدُنْ‏}‏ بفتح اللام والدال وسكون النون‏.‏ ومنهم من لا يحذف ويحرك الدال كسرا فيقول ‏{‏لَّدُنْ‏}‏ بفتح اللام وكسر الدال وسكون النون ومنهم من لا يحذف ويحرك النون بالكسر فيقول ‏{‏لَّدُنْ‏}‏ بفتح اللام وسكون الدال وكسر النون، وقد يخفف بنقل ضمة الدال إلى اللام كما يقال في عضد عضد بضم العين وسكون الضاد على قلة، وحينئذ يلتقي ساكنان أيضاً‏.‏ فمنهم من يحذف النون لذلك فيقول لد بضم اللام وسكون الدال‏.‏ ومنهم من لا يحذف ويحرك النون بالكسر فيقول ‏{‏لَّدُنْ‏}‏ بضم اللام وسكون الدال وكسر النون فهذه سبع لغات‏.‏ وجاء لد بحذف نون ‏{‏لَّدُنْ‏}‏ التي هي أم الجميع وبذلك تتم الثمانية، ويدل على أن أصل لد لدن إنك إذا أضفته لمضمر جئت بالنون فقتول‏:‏ من لدنك ولا يجوز من لدك كما نبه عليه سيبويه، وذكر لها في همع الهوامع عشر لغات ما عدا اللغة القيسية فليراجع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله‏}‏ في موضع العلة للفعلين السابقين على جعل ‏{‏ءانٍ‏}‏ مصدرية وتقدير اللام معها كأنه قيل‏:‏ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله أي لتتركوا عبادة غيره عز وجل وتتمحضوا لعبادته سبحانه، فإن الأحكام والتفصيل مما يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد وما يتفرع عليه من الطاعات قاطبة‏.‏

وجوز أن تكون مفسرة لما في التفصيل من معنى القول دون حروفه كأنه قيل‏:‏ فصل وقال‏:‏ لا تعبدوا إلا الله أو أمر أن لا تعبدوا إلا الله، وقيل‏:‏ إن هذا كلام منقطع عما قبله غير متصل به اتصالاً لفظياً بل هو ابتداء كلام قصد به الاغراء على التوحيد على لسانه صلى الله عليه وسلم و‏{‏ءانٍ‏}‏ وما بعدها في حيز المفعول به لمقدر كأنه قيل‏:‏ الزموا ترك عبادة غيره تعالى، واحتمال أن يكون ما قبل أيضاً مفعولاً به بتقدير قل أول الكلام خلاف الظاهر، ومثله احتمال كون ‏{‏ءانٍ‏}‏ والفعل في موقع المفعول المطلق، وقد صرح بعض المقحقين أن ذلك مما لا يحسن أو لا يجوز فلا ينبغي أن يلتفت إليه ‏{‏إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ‏}‏ ضمير الغائب المجرور لله تعالى و‏{‏مِنْ‏}‏ لابتداء الغاية، والجار والمجرور في الأصل صفة النكرة فلما قدم عليها صار حالا كما هو المعروف في أمثاله أي إني لكن من جهته تعالى نذير أنذركم عذابه أن لم تتركوا ما أنتم عليه من عبادة غيره سبحانه وبشير أبشركم ثوابه إن آمنتم وتمحضتم في عبادته عز وجل، وجوز كون ‏{‏مِنْ‏}‏ صلة النذير والضمير إما له تعالى أيضاً، والمعنى حينئذ على ما قال أبو البقاء نذير من أجل عذابه وإما للكتاب على معنى إني لكن نذير من مخالفته وبشير لمن آمن به، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ‏}‏ عطف على ‏{‏أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 2‏]‏ سواء كان نهياً أو نفياً وفي ‏{‏ءانٍ‏}‏ الاحتمالان السابقان وقد علمت أن الحق أن ‏{‏ءانٍ‏}‏ المصدرية توصل بالأمر والنهي كما توصل بغيرهما، وفي توسيط جملة ‏{‏إِنِّي لَكُمْ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 2‏]‏ الخ بين المتعاطفين ما لا يخفى من الإشارة إلى علو شأن التوحيد ورفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روعي في تقديم الانذار على التبشير ما روعي في الخطاب من تقديم النفي على الإثبات والتخلية على التحلية لتتجاوب الأطراف، والتعرض لوصف الربوبية تلقين للمخاطبين وأرشاد لهم إلى طريق الابتهال في السؤال وترشيح لما يذكر من التمتيع وإيتاء الفضل، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ‏}‏ عطف على ‏{‏استغفروا‏}‏ واختلف في توجيه توسيط ‏{‏ثُمَّ‏}‏ بينهما مع أن الاستغفار بمعنى التوبة في العرف فقال الجبائي‏:‏ إن المراد بالاستغفار هنا التوبة عما وقع من الذنوب وبالتوبة الاستغفار عما يقع منها بعد وقوعه أي استغفروا ربكم من ذنوبكم التي فعلتموها ثم توبوا إليه من ذنوب تفعلونها، فكلمة ‏{‏ثُمَّ‏}‏ على ظاهرها من التراخي في الزمان، وقال الفراء‏:‏ إن ‏{‏ثُمَّ‏}‏ بمعنى الواو كما في قوله

بهز كهز الرديني *** جرى في الأنابيب ثم اضطرب

والعطف تفسيري، وقيل‏:‏ لا نسلم أن الاستغفار هو التوبة بل هو ترك المعصية والتوبة هي الرجوع إلى الطاعة ولئن سلم أنهما بمعنى فثم للتراخي في الرتبة، والمراد بالتوبة الإخلاص فيها والاستمرار عليها وإلى هذا ذهب صاحب الفرائد‏.‏ وقال بعض المحققين‏:‏ الاستغفار هو التوبة إلا أن المراد بالتوبة في جانب المعطوف التوصل إلى المطلوب مجازاً من إطلاق السبب على المسبب، و‏{‏ثُمَّ‏}‏ على ظاهرها وهي قرينة على ذلك‏.‏

وأنت تعلم أن أصل معنى الاستغفار طلب الغفر أي الستر ومعنى التوبة الرجوع، ويطلق الأول على طلب ستر الذنب من الله تعالى والعفو عنه والثاني على الندم عليه مع العزم على عدم العود فلا اتحاد بينهما بل ولا تلازم عقلاً، لكن اشترط شرعاً لصحة ذلك الطلب وقبوله الندم على الذنب مع العزم على عدم العود إليه، وجاء أيضاً استعمال الأول في الثاني، والاحتياج إلى توجيه العطف على هذا ظاهر، وأما على ذاك فلأن الظاهر أن المراد من الاستغفار المأمور به الاستغفار المسبوق بالتوبة بمعنى الندم فكأنه قيل‏:‏ استغفروا ربكم بعد التوبة ثم توبوا إليه ولا شبهة في ظهور احتياجه إلى التوجيه حينئذ، والقلب يميل فيه إلى حمل الأمر الثاني على الإخلاص في التوبة والاستمرار عليها، والتراخي عليه يجوز أن يكون رتبيا وأن يكون زمانياً كما لا يخفى ‏{‏يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا‏}‏ مجزوم بالطلب، ونصب ‏{‏متاعا‏}‏ على أنه مفعول مطلق من غير لفظه كقوله تعالى‏:‏

‏{‏أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتاً‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 17‏]‏ ويجوز أن يكون مفعولاً به على أنه اسم لما ينتفع به من منافع الدنيا من الأموال والبنين وغير ذلك، والمعنى كما قيل يعشكم في أمن وراحة، ولعل هذا لا ينافي كون الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ولا كون أشد الناس بلاء الامثل فالأمثل لأن المراد بالأمن أمنه من غير الله تعالى ‏{‏وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 3‏]‏ وبالراحة طيب عيشه برجاء الله تعالى والتقريب إليه حتى يعد المحنة منحة

وتعذيبكم عذب لدى وجوركم *** علي بما يقضي الهوى لكم عدل

وقال الزجاج‏:‏ المراد يبقيكم ولا يستأصلكم بالعذاب كما استأصل أهل القرى الذين كفروا، والخطاب لجميع الأمة بقطع النظر عن كل فرد فرد ‏{‏إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى‏}‏ مقدر عند الله تعالى وهو آخر أعماركم أو آخر أيام الدنيا كما يقتضيه كلام الزجاج، ولا دلالة في الآية على أن للإنسان أجلين كما زعمه المعتزلة ‏{‏وَيُؤْتِ‏}‏ أي يعط ‏{‏كُلَّ ذِي فَضْلٍ‏}‏ أي زيادة في العمل الصالح ‏{‏فَضْلِهِ‏}‏ أي جزاء فضله في الدنيا أو في الآخرة لأن العمل لا يعطى، وقد يقال‏:‏ لا حاجة إلى تقدير المضاف، والمراد المبالغة على حد ‏{‏سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 139‏]‏ والضمير لكل، ويجوز أن يعود إلى الرب، والمراد بالفضل الأول ما أريد به أولا وبالثاني زيادة الثواب بقرينة أن الاعطاء ثواب وحينئذ يستغني عن التأويل‏.‏

واختار بعض المحققين التفسير الأول ثم قال‏:‏ وهذه تكملة لما أجمل من التمتيع إلى أجل مسمى وتبيين لما عسى أن يعسر فهم حكمته من بعض ما يتفق في الدنيا من تفاوت الحال بين العاملين فرب إنسان له فضل طاعة وعمل لا يمتع في الدنيا أكثر مما متع آخر دونه في الفضل وربما يكون المفضول أكثر تمتيعاً فقيل‏:‏ ويعط كل فاضل جزاء فضله أما في الدنيا كما يتفق في بعض المواد وإما في الآخرة وذلك مما لا مراد له انتهى‏.‏

ويفهم من كلام بعضهم عدم اعتبار الانفصال على أنه سبحانه ينعم على ذي الفضل في الدنيا والآخرة ولا يختص إحسانه باحدى الدارين، ولا شك أن كل ذي عمل صالح منعم عليه في الآخرة بما يعلمه الله تعالى وكذا في الدنيا بتزيين العمل الصالح في قلبه والراحة حسب تعليق الرجاء بربه ونحو ذلك ولا إشكال في ذلك كما هو ظاهر للمتأمّل، وقيل‏:‏ في الآية لفونشر فإن التمتيع مربت على الاستغفار وإيتاء الفضل مرتب على التوبة انتهى‏.‏

وايا مّا كان ففي الكلام ضرب تفصيل لما أجمل فيما سبق من البشارة، ثم شرع في الإنذار بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِن تَوَلَّوْاْ‏}‏ أي تستمروا على الاعراض عما القى إليكم من التوحيد والاستغفار والتبوة، وأصله تتولوا فهو مضارع مبدوإ بتاء الخطاب لأن ما بعده يقتضيه وحذفت منه إحدى التاءين كما فعل في أمثاله، وقيل‏:‏ إن ‏{‏تَوَلَّوْاْ‏}‏ ماض غائب فلا حذف ويقدر فيما بعد فقل لهم وهو خلاف الظاهر، وأخر الانذار عن البشارة جريا على سنن تقدم الرحمة على الغضب أو ون العذاب قد علق بالتولي عما ذكر من التوحيد وما معه وذلك يستدعي سابقة ذكره‏.‏

وقرأ عيسى بن عمرو، واليماني ‏{‏تَوَلَّوْاْ‏}‏ بضم التاء وفتح الواو وضم اللام وهو مضارع ولى من قولهم‏:‏ ولى هارباً أي أدبر ‏{‏فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ‏}‏ بمقتضى الشفقة والرأفة أو أتوقع ‏{‏عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ‏}‏ هو يوم القيامة وصف بذلك لكبر ما يكون فيه ولذا وصف بالثقل أيضاً، وجوز وصفه بالكبر لكونه كذلك في نفسه، وقيل‏:‏ المراد به زمان ابتلاهم الله تعالى فيه في الدنيا، وقد روي أنهم ابتلوا بقحط عظيم أكلوا فيه الجيف، وأيا مّا كان ففي إضافة العذاب إليه تهويل وتفظيع له‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏إلى الله مَرْجِعُكُمْ‏}‏ مصدر ميمي وكان قياسه فتح الجيم لأنه من باب ضرب وقياس مصدره الميمي ذلك كما علم من محله، أي إليه تعالى رجوعكم بالموت ثم البعث للجزاء في مثل ذلك اليوم لا إلى غيره جميعاً لا يتخلف منكم أحد ‏{‏وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ‏}‏ فيندرج في تلك الكلية قدرته سبحانه على إماتتكم ثم بعثكم وجوزائكم فيعذبكم بأفانين العذاب، وهذا تقرير وتأكيد لما سلف من ذكر اليوم وتعليل للخوف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ‏}‏ كأنه جواب سؤال مقدر، وذلك أنه لما ألقى إليهم ما ألقى وسيق إليهم ما سيق من الترغيب والترهيب وقع في ذهن السامع أنهم بعد ما سمعوا مثل هذا المقال الذي تخر له صم الجبال هل قابلوه بالإقبال أم تمادوا فيما كانوا عليه من الإعراض والضلال فقيل‏:‏ مصدراً بكلمة التنبيه إشعاراً بأن ما بعدها من هناتهم أمر ينبغي أن يفهم ويتعجب منه ‏{‏أَلاَ إِنَّهُمْ‏}‏ الخ، فضمير ‏{‏أَنَّهُمْ‏}‏ للمشركين المخاطبين فيما تقدم و‏{‏يَثْنُونَ‏}‏ بفتح الياء مضارع ثنى الشيء إذا لواه وعطفه، ومنه على ما قيل الاثنان، لعطف أحدهما على الآخر والثناء لعطف المناقب بعضها على بعض وكذا الاستثناء للعطف على المستثنى منه بالإخراج، وأصله يثنيون فأعل الإعلال المعروف في نحو يرمون، وفي المراد منه احتمالات‏:‏ منها أن الثني كناية أو مجاز عن الإعراض عن الحق لأن من أقبل على شيء واجهه بصدره ومن أعرض صرفه عنه، أي أنهم يثنون صدورهم الحق ويتحرفون عنه، والمراد استمرارهم على ما كانوا عليه من التولي والإعراض المشار إليه بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَإِن تَوَلَّوْاْ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 3‏]‏ الخ‏.‏ ومنها أنه مجاز عن الإخفاء لأن ما يجعل داخل الصدر فهو خفي أي أنهم يضمرون الكفر والتولي عن الحق وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ومنها أنه باق على حقيقته، والمعنى أنهم إذا رأوا النبي عليه الصلاة والسلام فعلوا ذلك وولوه ظهورهم، والظاهر أن اللام متعلقة بيثنون على سائر الاحتمالات، وكأن بعضهم رأى عدم صحة التعلق على الاحتمال الأول لما أن التولي عن الحق لا يصلح تعليله بالاستخفاء لعدم السببية فقدر لذلك متعلقاً فعل الإرادة على أنه حال أو معطوف على ما قبله، أي ويريدون ليستخفوا من الله تعالى فلا يطلع رسوله عليه الصلاة والسلام والمؤمنين على أغراضهم، وجعله في قود المعنى إليه من قبيل الإضمار في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 63‏]‏ أي فضرب فانفلق، لكن لا يخفى أن انسياق الذهن إلى توسيط الإرادة بين ثني الصدور والاستخفاء ليس بمثابة انسياقه إلى توسيط الضرب بين الأمر والانفرق كما ذكره العلامة القسطلاني وغيره، وقيل‏:‏ إنه لا حاجة إلى التقدير في الاحتمالين الأولين لأن انحرافهم عن الحق بقلوبهم وعطف صدورهم على الكفر والتولي وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم إظهارهم ذلك يجوز أن يكون للاستخفاء من الله تعالى لجهلهم بما لا يجوز على الله تعالى، وأما على الاحتمال الثالث فالظاهر أنه لا بد من التقدير إلا أن يعاد الضمير منه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي يقتضيه سبب النزول على ما ذكره أبو حيان من أن الآية نزلت في بعض الكفار الذين كانوا إذا لقيهم النبي صلى الله عليه وسلم تطامنوا وثنوا صدورهم كالمستتر وردوا إليه ظهورهم وغشوا وجوههم بثيابهم تباعداً منه وكراهة للقائه عليه الصلاة والسلام وهم يظنون أنه يخفي عليه صلى الله عليه وسلم، لكن ظاهر قوله تعالى الآتي‏:‏ ‏{‏يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ‏}‏ يقتضي عود الضمير إليه تعالى‏.‏

واختار بعض المحققين الاحتمال الثاني من الاحتمالات الثلاث، وأمر التعليل والضمير عليه ظاهر، وأيده بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلاً حلو المنطق حسن السياق للحديث يظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة ويضمر في قلبه ما يضادها لكنه ليس بمجمع عليه لما سمعت عن أبي حيان‏.‏

وقيل‏:‏ إنه كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويحني ظهره ويتغشى بثوبه ويقول‏:‏ هل يعلم الله ما في قلبي فنزلت، وأخرج ابن جرير، وغيره عن عبد الله بن شداد أنها نزلت في المنافقين كان أحدهم إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وتغشى لئلا يراه، وهو في معنى ما تقدم عن أبي حيان إلا أن فيه بعض الكفار دون المنافقين، فلا يرد عليه ما أورد على هذا من أن الآية مكية والنفاق إنما حدث بالمدينة فكيف يتسنى القول بأنها نزلت في المنافقين‏؟‏ وقد أجيب عن ذلك بأنه ليس المراد بالنفاق ظاهره بل ما كان يصدر من بعض المشركين الذين كان لهم مداراة تشبه النفاق، وقد يقال‏:‏ إن حديث حدوث النفاق بالمدينة ليس إلا غير مسلم بل ظهوره إنما كان فيها والامتياز إلى ثلاث طوائف، ثم لو سلم فلا إشكال بل يكون على أسلوب قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 90‏]‏ إذا فسر باليهود ويراد به ما جرى على بني قريظة فإنه إخبار عما سيقع، وجعله كالواقع لتحققه وهو من الإعجاز لأنه وقع كذلك فكذا ما نحن فيه‏.‏ نعم الثابت في «صحيح البخاري»‏.‏ وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم‏.‏ وابن مردويه من طريق محمد بن عباد بن جعفر أنه سمع ابن عباس يقرأ الآية فسأله عنها فقال‏:‏ أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم، وليس في الروايات السابقة ما يكافىء هذه الرواية في الصحة، وأمر ‏{‏يَثْنُونَ‏}‏ عليها ظاهر خلا أنه إذا كان المراد بالأناس جماعة من المسلمين كما صرح به الجلال السيوطي أشكل الأمر، وذلك لأن الظاهر من حال المسلم إذا استحيا من ربه سبحانه فلم يكشف عورته مثلاً في خلوة كان مقصوده مجرد إظهار الأدب مع الله تعالى مع علمه بأنه جل شأنه لا يحجب بصره حاجب ولا يمنع علمه شيء ومثل هذا الحياء أمر لا يكاد يذمه أحد بل في الآثار ما هو صريح في الأمر به وهو شعار كثير من كبار الأمة، والقول بأن استحياء أولئك المسلمين كان مقروناً بالجهل بصفاته عز وجل فظنوا أن الثني يحجب عن الله سبحانه فرد عليهم بما رد لا أظنك تقبله؛ وبالجملة الأمر على هذه الرواية لا يخلو عن إشكال ولا يكاد يندفع بسلامة الأمر، والذي يقتضيه السياق ويستدعيه ربط الآيات كون الآية في المشركين حسبما تقدم فتدبر والله تعالى أعلم‏.‏

وقرأ الحبر رضي الله تعالى عنه‏.‏ ومجاهد‏.‏ وغيرهما ‏{‏تثنوني‏}‏ بالتاء لتأنيث الجمع وبالياء التحتية لأن التأنيث غير حقيقي، وهو مضارع اثنوني كاحلولي فوزنه تفعوعل بتكرير العين وهو من أبنية المزيد الموضوعة للمبالغة لأنه يقال حلي فإذا أريد المبالغة قيل احلولي وهو لازم فصدورهم فاعله، ويراد منه ما أريد من المعاني في قراءة الجمهور إلا أن المبالغة ملحوظة في ذلك فيقال‏:‏ المعنى مثلاً تنحرف صدورهم انحرافاً بليغاً‏.‏ وعن الحبر أيضاً‏.‏ وعروة‏.‏ وغيرهما أنهم قرأوا ‏{‏تثنون‏}‏ بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الثاء وفتح النون وكسر الواو وتشديد النون الأخيرة، والأصل تثنونن بوزن تفعوعل من الثن بكسر الثاء وتشديد النون وهو ما هش وضعف من الكلأ أنشد أبو زيد‏:‏

يا أيها المفضل المعني *** إنك ريان فصمت عني

تكفي اللقوح أكلة من وثن *** ولزم الإدغام لتكرير العين إذا كان غير ملحق و‏{‏تُخْفِى صُدُورُهُمْ‏}‏ على هذه مرفوع أيضاً على الفاعلية، والمعنى على وصف قلوبهم بالسخافة والضعف كذلك النبت الضعيف، فالصدور مجاز عما فيها من القلوب، وجوز أن يكون مطاوع ثناه فإنه يقال‏:‏ ثناه فانثنى وائتوني كما صرح به ابن مالك في التسهيل فقال‏:‏ وافعوعل للمبالغة وقد يوافق استفعل ويطاوع فعل ومثلوه بهذا الفعل، فالمعنى أن صدورهم قبلت الثني ويؤول إلى معنى انحرفت كما فسر به قراءة الجمهور‏.‏ وعن مجاهد وكذا عروة الأعشى أنه قرأ ‏{‏تثنئن‏}‏ كتطمئن وأصله يثنان فقلبت الألف همزة مكسورة رغبة في عدم التقاء الساكنين وإن كان على حدة، ويقال في ماضيه اثنأن كاحمأر وابيأض، وقيل‏:‏ أصله تثنون بواو مكسورة فاستثقلت الكسرة على الواو فقلبت همزة كما قيل في وشاح أشاح وفي وسادة إسادة فوزنه على هذا تفوعل وعلى الأول تفعال، ورجح باطراده وهو من الثن الكلأ الضعيف أيضاً، وقرىء ‏{‏تثنوي‏}‏ كترعوي ونسب ذلك إلى ابن عباس أيضاً، وغلط النقل بأنه لا حظ للواو في هذا الفعل إذ لا يقال‏:‏ ثنوته فانثوى كرعوته فارعوى ووزن ارعوى من غريب الأوزان، وفي «الصحاح» تقديره افعول ووزنه افعلل، وإنما لم يدغم لسكون الياء وتمام الكلام فيه يطلب من محله، وقرىء بغير ذلك، وأوصل بعضهم القراءات إلى ثلاث عشرة وفصلها في «الدر المصون»، ومن غريبها أنه قرىء ‏{‏إِنَّهُمْ يَثْنُونَ‏}‏ بالضم‏.‏

واستشكل ذلك ابن جني بأنه لا يقال‏:‏ أثنتيه بمعنى ثنيته ولم يسمع في غير هذه القراءة، وقال أبو البقاء‏:‏ لا يعرف ذلك في اللغة إلا أن يقال‏:‏ معناه عرضوها للانثناء كما تقول‏:‏ أبعت الفرس إذا عرضته للبيع ‏{‏أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ‏}‏ أي يجعلونها أغشية، ومنه قول الخنساء‏:‏ أرعى النجوم وما كلفت رعيتها *** وتارة أتغشى فضل اطماري

وحاصله حين يأوون إلى فراشهم ويلتحفون بما يلتحف به النائم، وهو وقت كثيراً ما يقع فيه حديث النفس عادة، وعن ابن شداد حين يتغطون بثيابهم للاستخفاء، وأياً ما كان فالمراد من الثياب معناه الحقيقي وقيل‏:‏ المراد به الليل وهو يستر كما تستر الثياب، ومن ذلك قولهم‏:‏ الليل أخفى للويل، والظرف متعلق بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يَعْلَمْ‏}‏ أي ألا يعلم ‏{‏مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ‏}‏ حين يستغشون ثيابهم؛ ولا يلزم منه تقييد علم الله تعالى بذلك الوقت لأن من يعلم فيه يعلم في غيره بالطريق الأولى، وجوز تعلقه بمحذوف وقدره السمين‏.‏ وأبو البقاء يستخفون وبعضهم يريدون، و‏{‏مَا‏}‏ في الموضعين إما مصدرية أو موصولة عائدها محذوف أي الذي يسرونه في قلوبهم والذي يعلنونه أي شيء كان ويدخل ما يقتضيه السياق دخولاً أولياً، وخصه بعضهم به، وقدم هنا السر على العلن نعياً عليهم من أول الأمر ما صنعوا وإيذاناً بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه وتحقيقاً للمساواة بين العلمين على أبلغ وجه فكأن علمه سبحانه بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه، وحاصل المعنى يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سرهم وعلنهم فكيف يخفى عليه سبحانه ما عسى أن يظهروه‏.‏

وقرأ ابن عباس ‏{‏على حِينِ يَسْتَغْشُونَ‏}‏ قال ابن عطية‏:‏ ومن هذا الاستعمال قول النابغة‏:‏

على حين عابت المشيب على الصبا *** ‏{‏إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور‏}‏ تعليل لما سبق وتقرير له، والمراد بذات الصدور الإسرار المستكنة فيها أو القلوب التي في الصدور، وأياً ما كان فليست الذات مقحمة كما في ذات غدوة ولا من إضافة المسمى إلى اسمه كما توهم، أي أنه تعالى مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم أو بالقلوب وأحوالها فلا يخفى عليه سر من أسرارها فكيف يخفى عليه ما يسرون وما يعلنون، وكان التعبير بالجملة الاسمية للإشارة إلى أنه سبحانه لم يزل عالماً بذلك، وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وجودها الخارجي، وهذا مما لا ينكره أحد سوى شرذمة من المعتزلة قالوا‏:‏ إنه تعالى إنما يعلم الأشياء بعد حدوثها تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ولا يلزم هذا بعض المتكلمين المنكرين للوجود الذهني لأنهم إذا لم يقولوا به مع إنكار الوجود الذهني يلزمهم القول بتعلق العلم بالمعدوم الصرف، وامتناعه من أجل البديهيات، والإنكار مكابرة أو جهل بمعنى التعلق بالمعدوم الصَّرف، وقد أورد ذلك عليهم المحقق الدواني، وهو ناشىء على ما قيل عن الذهول عن معنى إنكار الوجود الذهني وبعد تحقيق المراد منه يندفع ذلك‏.‏

وبيانه أنه ليس معنى إنكارهم ذلك أنه لا يحصل صورة عند العقل إذا تصورنا شيئاً أو صدقنا به لأن حصولها عنده في الواقع بديهي لا ينكره إلا مكابر، وكيف ينكره الجمهور والعلم الحادث مخلوق عندهم والخلق إنما يتعلق بأعيان الموجودات بل هو بمعنى أن ذلك الحصول ليس نحواً آخر من وجود الماهية المعلومة بأن يكون لماهية واحدة كالشمس مثلاً وجودان، أحدهما خارجي والآخر ذهني كما يقول به مثبتوه، فهم لا ينكرون الوجود عن صور الأشياء وأشباحها وهي موجودات خارجية وكيفيات نفسانية وهي المخلوقة عندهم، وإنما ينكرون الوجود الذهني عن أنفس تلك الأشياء وذلك بشهادة أدلتهم حيث قالوا‏:‏ لو حصلت النار في الأذهان لاحترقت الأذهان بتصورها واللازم باطل فإنه كما ترى إنما ينفي الوجود عن نفس النار لا عن شبحها ومثالها، فالحق أن الجمهور إنما أنكروا ما ذهب إليه محققو الحكماء من أن الحاصل في الأذهان أنفس ما هيأت الأشياء ولم ينكروا ما ذهب إليه أهل الأشباح، وحينئذٍ يقال‏:‏ علم الواجب عندهم إما تعلقه بأشباح الأشياء أو صفة ذات ذلك التعلق فلا يلزمهم القول بما قاله الشرذمة، ولا يتجه عليهم أن التعلق بتلك الأشباح الموجودة في الأزل لكونه نسبة بينها وبينه تعالى متأخر عنها فيلزم إيجاد تلك الأشباح بلا علم وهو محال، لأنا نقول لما كان الواجب تعالى موجباً في علمه وسائر صفاته الذاتية كان وجود تلك الصور الإدراكية التي هي تلك الأشباح مقتضى ذاته تعالى فلا بأس في كونها سابقة على العلم بالذات وإنما المسبوق بالعلم هو أفعاله الاختيارية، ثم ينبغي أن يعلم أنه ليس معنى قولهم‏:‏ إن علم الواجب تبارك وتعالى بالأشياء أزلي وتعلقه بها حادث أنه ليس هناك إلا تعلق حادث لأنه يلزم حدوث نفس العلم فيعود ما ارتكبه الشرذمة للقطع بأنه لا يصير المعلوم معلوماً قبل تعلق العلم به وهو من الفساد بمكان، بل معناه أن التعلق الذي لا تقتضيه حقيقة العلم حادث وهناك تعلق تقتضيه تلك الحقيقة وهو قديم، وذلك لأن الأشباح والأمثال معلومة بالذات وبواسطتها تعلم الأشياء، فتعلق العلم عندهم أعم من تعلقه بذات الشيء المعلوم أو بمثاله وشبحه، ولما لم يمكن وجود الحوادث في الأزل كان العلم الممكن بالنسبة إليها بالتعلق بأمثالها وأشباحها وبعد حدوثها يتجدد التعلق بأن يكون بذات تلك الحوادث‏.‏ وبالجملة تعلق العلم بأمثال الحوادث وأشباحها أزلي وبأنفسها وذواتها حادث ولا إشكال فيه أصلاً، وبهذا التحقيق يندفع شبهات كثيرة كما قيل، لكن أورد عليه أن برهان التطبيق جار في هاتيك الأشباح لما أنها متميزة الآحاد في نفس الأمر فيلزم أحد المحذورين‏.‏

وفي المقام أبحاث طويلة الذيل وقد بسط الكلام في ذلك مولانا إسماعيل أفندي الكلنبوي في حواشيه على شرح العضدية، وللمولى الشيخ إبراهيم الكوراني تحقيق على طرز آخر ذكره في كتابه مطلع الجود فارجع إليه‏.‏ وبالجملة لا تخفى صعوبة هذه المسألة وهي مما زلت فيها أقدام أقوام، ولعل الله سبحانه يرزقك تحقيقها بمنه سبحانه، وقد قال به أفضل المتأخرين مولانا إسماعيل أفندي الكلنبوي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الارض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا‏}‏ الدابة اسم لكل حيوان ذي روح ذكراً كان أو أنثى عاقلاً أو غيره، مأخوذ من الدبيب وهو في الأصل المشي الخفيف ومنه قوله‏:‏

زعمتني شيخاً ولست بشيخ *** إنما الشيخ من يدب دبيباً

واختصت في العرف بذوات القوائم الأربع وقد تخص بالفرس، والمراد بها هنا المعنى اللغوي باتفاق المفسرين أي وما من حيوان يدب على الأرض إلا على الله تعالى غذاؤه ومعاشه، والمراد أن ذلك كالواجب عليه تعالى إذ لا وجوب عليه سبحانه عند أهل الحق كما بين في الكلام، فكلمة ‏{‏على‏}‏ المستعملة للوجوب مستعارة استعارة تبعية لما يشبهه ويكون من المجاز بمرتبتين، وذكر الإمام أن الرزق واجب بحسب الوعد والفضل والإحسان على معنى أنه باق على تفضله لكن لما وعده سبحانه وهو جل شأنه لا يخل بما وعد صوره بصورة الوجوب لفائدتين‏:‏ التحقيق لوصوله‏.‏ وحمل العباد على التوكل فيه، ولا يمنع من التوكل مباشرة الأسباب مع العلم بأنه سبحانه المسبب لها ففي الخبر «اعقل وتوكل» وجاء «لن تموت نفس حتى تستمل رزقها وأجلها فاتقوا الله تعالى وأجملوا في الطلب» ولا ينبغي أن يعتقد أنه لا يحصل الرزق بدون مباشرة سبب فإنه سبحانه يرزق الكثير من دون مباشرة سبب أصلاً، وفي بعض الآثار «إن موسى عليه السلام عند نزول الوحي تعلق قلبه بأحوال أهله فأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه صخرة فضرب فانشقت الصخرة وخرجت صخرة ثانية فضربها فخرجت ثالثة فضربها فانشقت عن دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها وسمعها تقول‏:‏ سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني» وما أحسن قول ابن أذينة‏:‏

لقد علمت وما الإشراف من خلقي *** إن الذي هو رزقي سوف يأتيني

أسعى إليه فيعييني تطلبه *** ولو أقمت أتان لا يعنيني

وقد صدقه الله تعالى في ذلك يوم وفد على هشام فقرعه بقوله هذا فرجع إلى المدينة فندم هشام على ذلك وأرسل بجازئته إليه، ويقرب من قصته قصة الثقفي مع عبيد الله بن عامر خال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وهي مشهورة حكاها ابن أبي الدنيا ونقلها غير واحد، وقد ألغي أمر الأسباب جداً من قال‏:‏

مثل الرزق الذي تطلبه *** مثل الظل الذي يمشي معك

أنت لا تدركه متبعا *** وإذا وليت عنه تبعك

وبالجملة ينبغي الوثوق بالله تعالى وربط القلب به سبحانه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ‏{‏واحتج أهل السنة‏}‏ بالآية على أن الحرام رزق وإلا فمن لم يأكل طول عمره إلا من الحرام يلزم أن لا يكون مرزوقاً، وأجيب بأن هذا مجرد فرض إذ لا أقل من التغذي بلبن الأم مثلاً وهو حلال على أن المراد أن كل حيوان يحتاج إلى الرزق إذا رزق فإنما رزقه من الله تعالى وهو لا ينافي أن يكون هناك من لا رزق له كالمتغذي بالحرام، وكذا من لم يرزق أصلاً حتى مات جوعاً، وروي هذا عن مجاهد وقد تقدم الكلام في ذلك‏.‏

‏{‏عَلَى الله رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا‏}‏ موضع قرارها في الأصلاب ‏{‏وَمُسْتَوْدَعَهَا‏}‏ موضعها في الأرحام وما يجري مجراها من البيض ونحوه، فالمستقر والمستودع اسما مكان، وجوز فيهما أن يكونا مصدرين وأن يكون المستودع اسم مفعول لتعدي فعله، ولا يجوز في المستقر ذلك لأن فعله لازم، والأول هو الظاهر، وإنما خص كل من الاسمين بما خص به من المحل كما قال بعض الفضلاء لأن النطفة مثلاً بالنسبة إلى الأصلاب في حيزها الطبيعي ومنشئها الخلقي، وأما بالنسبة إلى الأرحام مثلاً فهي مودعة فيها إلى وقت معين، وعن عطاء تفسير المستقر بالأرحام والمستودع بالأصلاب وكأنه أخذ تفسير الأول بذلك من قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَنُقِرُّ فِى الارحام مَا نَشَاء‏}‏، وجوز أن يكون المراد بالمستقر مساكنها من الأرض حيث وجدت بالفعل، وبالمستودع محلها من المواد والمقار حين كانت بعد بالقوة، وهذا عام لجميع الحيوانات بخلاف الأول إذ من الحيوانات ما لم يستقر في صلب كالمتكون من عفونة الأرض مثلاً، ولعل تقديم محلها باعتبار حالتها الأخيرة لرعاية المناسبة بينها وبين عنوان كونها دابة في الأرض، والمعنى على ما قيل‏:‏ ما من دابة في الأرض إلا يرزقها الله تعالى حيث كانت من أماكنها يسوقه إليها ويعلم موادها المختلفة المندرجة في مراتب الاستعدادات المتفاوتة المتطورة في الأطوار المتباينة ومقارها المتنوعة يفيض عليها في كل مرتبة ما يليق بها من مبادىء وجودها وكمالاتها المتفرعة عليها، ولا يخلو عن حسن إلا أن فيه بعداً، وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن مستقرها حيث تأوي ومستودعها حيث تموت، وتعقب بأن تفسير المستودع بذلك لا يلائم مقام التكفل بأرزاقها، وقد يقال‏:‏ لعل ذلك إشارة إلى نهاية أمد ذلك التكفل، وفي خبر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إشارة إلى ما هو كالمبدأ له أيضاً، فقد أخرج عنه ابن جرير‏.‏ والحاكم وصححه أنه قال‏:‏ مستقرها الأرحام، ومستودعها حيث تموت، فكأنه قيل‏:‏ إنه سبحانه متكفل برزق كل دابة ويعلم مكانها أول ما تحتاج إلى الرزق ومكانها آخر ما تحتاج إليه فهو سبحانه يسوقه إليها ولا بد إلى أن ينتهي أمد احتياجها، وجوز في هذه الجملة أن تكون استئنافاً بيانياً وأن تكون معطوفة على جملة ‏{‏عَلَى الله رِزْقُهَا‏}‏ داخلة في حيز ‏{‏إِلا‏}‏ وعليه اقتصر الأجهوري‏.‏

‏{‏كُلٌّ فِى كتاب مُّبِينٍ‏}‏ أي كل واحد من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها، أو كل ما ذكر وغيره مثبت في اللوح المحفوظ البين لمن ينظر فيه من الملائكة عليهم السلام، أو المظهر لما أثبت فيه للناظرين، والجملة على ما قال الطيبي كالتتميم لمعنى وجوب تكفل الرزق كمن أقر بشيء في ذمته ثم كتب عليه صكاً، وفي «الكشف» إن الأظهر أنها تحقيق للعلم وكأنه تعالى لما ذكر أنه يعلم ما يسرون وما يعلنون أردفه بما يدل على عموم علمه، ثم أتى سبحانه بما يدل على عظيم قدرته جل شأنه

‏[‏بم من قوله تبارك وتعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏وَهُوَ الذى خَلَقَ السماوات والارض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏}‏ تقريراً للتوحيد لأن من شمل علمه وقدرته هو الذي يكون إلهاً لا غيره مما لا يعلم ولا يقدر على ضر ونفع وتأكيداً لما سبق من الوعد والوعيد لأن العالم القادر يرجى ويخشى، وجوز أن تكون الآية تقريراً لقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 5‏]‏ وما بعدها تقريراً لقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 4‏]‏ وفيه بعد، وكأن المراد بخلق السموات والأرض الخ خلقهما وما فيهما، أو تجعل السموات مجازاً عن العلويات فتشملها وما فيها، وتجعل الأرض مجازاً بمعنى السفليات فتشملها وما فيها من غير تقدير، واحتيج لذلك لاقتضاء المقام إياه وإلا فخلقهما في تلك المدة لا ينافي خلق غيرهما فيها، والمراد باليوم الوقت مطلقاً لا المتعارف إذ لا يتصور ذلك حين لا شمس ولا أرض، وقيل‏:‏ أريد به مدة زمان دور المحدد المسمى بالعرش دورة تامة، وإليه ذهب الشيخ الأكبر قدس سره، وقد علمت حاله فيما تقدم، وقيل‏:‏ غير ذلك‏.‏

وفي عدم خلقهما دفعة كما علمت دليل كما قال غير واحد على كونه سبحانه قادراً مختاراً مع ما فيه من الاعتبار للنظار والحث على التأني في الأمور، وقد تقدم ما قيل في وجه تخصيص هذا العدد دون الزائد عليه كالسبعة أو الناقص عنه كالخمسة للخلق، ولعلنا نحقق ذلك في موضع آخر، وإيثار صيغة الجمع في السموات لاختلافها بالأصل والذات دون الأرض، وإن قيل‏:‏ إنها مثل السماء في كونها سبعاً طباقاً بين كل أرض وأرض مسافة وفيها مخلوقات، وبذلك فسر قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الارض مِثْلَهُنَّ‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 12‏]‏ والكثير على أن الأرض كرة واحدة منقسمة إلى سبعة أقاليم وحملوا الآية على ذلك‏.‏

‏{‏وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء‏}‏ عطف على جملة ‏{‏خُلِقَ‏}‏ مع ضميره المستتر أو حال من الضمير بتقدير قد على ما هو المشهور في الجملة الحالية الماضوية من اشتراط قد ظاهرة أو مقدرة؛ والمضي المستفاد من كان بالنسبة للحكم لا للتكلم أي كان عرشه على الماء قبل خلقهما وهو الذي يقتضيه كلام مجاهد، وبه صرح القاضي البيضاوي، ثم قال‏:‏ لم يكن حائل بينهما أي العرش والماء لا أنه كان موضوعاً على متن الماء، واستدل به على إمكان الخلاء وأن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم انتهى، وكذا صرح به العلامة أبو السعود مفتي الديار الرومية لكنه قال‏:‏ ليس تحته يعني العرش شيء غيره أي الماء سواء كان بينهما فرجة، أو موضوعاً على متنه كما ورد في الأثر فلا دلالة فيه على إمكان الخلاء كيف لا ولو دل لدل على وجوده لا على إمكانه فقط ولا على كون الماء أول ما حدث في العالم بعد العرش وإنما يدل على أن خلقهما أقدم من خلق السموات والأرض من غير تعرض للنسبة بينهما انتهى، ولا يخفى ما بين القاضي والمفتي من المخالفة، والأكثرون على أن الحق مع المفتي كما ستعلمه إن شاء الله تعالى‏.‏

وانتصر بعضهم للقاضي بأنه لو كان موضوعاً على متن الماء للزم قبل خلق تمام العالم أحد الأمور الستة‏:‏ إما خروج الماء عن حيزه الطبيعي‏.‏ أو خروج العرش عن حيزه الطبيعي‏.‏ أو تخلخل الماء‏.‏ أو نموه أو تخلخل العرش‏.‏ أو نموه، وحين خلق العالم أحد الأمور الخمسة‏:‏ إما حركة العرش بالاستقامة إلى حيزه الطبيعي‏.‏ أو تكاثف الماء‏.‏ أو ذبوله‏.‏ أو تكاثف العرش‏.‏ أو ذبوله، وهذه الأمور باطلة كما لا يخفى على من تدرب في الحكمة، ويحمل الإمكان في كلامه على الإمكان الوقوعي، أو يراد به الإمكان الذاتي وبالخلاء الخلاء في عالمنا هذا فإنه المتنازع فيه فكأنه قيل واستدل به على أن الخلاء في عالمنا ممكن بالإمكان الذاتي وتوجيه الاستدلال به حينئذٍ على ذلك هو أن الخلاء قبل عالمنا هذا كان واقعاً ووقوع شيء في وقت من الأوقات دليل على إمكانه الذاتي في جميع الأوقات فإن ثبوت الإمكان للممكن واجب فالممكن في وقت ممكن في وقت آخر كما حققه شارح حكمة العين، ووجه الدلالة على أن الماء أول حادث بعد العرش أن كل جسم بسيط فله مكان طبيعي وأن المكان من لوازم وجود الجسم فإن الفاعل إذا أوجد الجسم أوجده لا محالة في مكان كما صرحوا به، والمكان للخفيف من الأجسام هو الفوق، وللثقيل التحت على حسب الثقل والخفة وتحددهما إنما هو بالفلك الأعظم فوجود الماء في جوف العرش يتوقف على وجود مكانه المتوقف على وجود العرش فيتأخر عنه حدوثاً ولا يخفى ما في هذا الوجه من النظر، ولا أقل من أن يقال لم لا يجوز أن يخلق الله تعالى العرش والماء معاً‏؟‏ على أنه قد جاء في بعض الآثار ما هو ظاهر في أن الماء كان مخلوقاً قبل العرش فقد أخرج الطيالسي‏.‏ وأحمد‏.‏ والترمذي وحسنه‏.‏ وابن ماجه‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ والبيهقي في الأسماء والصفات وغيرهم عن أبي رزين العقيلي قال‏:‏ «قلت‏:‏ يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض‏؟‏ قال‏:‏ كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء وخلق عرشه على الماء» وقال بعض في بيان وجه ذلك‏:‏ أنه لما كان معنى كون العرش على الماء أنه موضوع فوقه لا مماسه وأن خلق السموات والأرض ءنما كان بعدهما اقتضى ذلك أن العرش مخلوق قبل وأن الماء أول حادث بعده وهو من فحوى الخطاب، وقوله‏:‏ لا أنه كان موضوعاً الخ لأن سياقه لبيان قدرته تعالى يقتضيه وفيه ما فيه كما لا يخفى، وتعقب بعض فضلاء الروم ما ذكر أولاً بأن حاصله أن الشق الثاني من الشقين المذكورين في كلام العلامة الثاني مستلزم لأحد أمور تقرر في علم الحكمة بطلانها فيتعين الأول منهما، وهو الذي ذهب إليه العلامة الأول، وهو إنما يتم أن لو كانت المقدمات المذكورة في إبطال تلك الأمور يقينية وهو ممنوع فإن أكثرها مبني على أصول الفلاسفة، وقد بين القاضي نفسه بطلان أكثرها في الطوالع وهو إنما يراعي القواعد الحكمية إذا لم تكن مخالفة للقواعد الإسلامية على أن في كلام ذلك المنتصر خللاً من وجوه‏:‏ الأول‏:‏ أن قوله‏:‏ يلزم إما خروج الماء عن حيزه الطبيعي الخ يقال في جوابه‏:‏ أنه يجوز أن يخرج الماء عن حيزه الطبيعي وذلك غير محال وأن كان خروجه بنفسه بطريق السيلان عن حيزه الطبيعي محالاً، ويشهد لذلك أنهم ذكروا أن الماء لثقله الإضافي يقتضي أن يكون فوق الأرض والأرض لثقلها الحقيقي تقتضي أن تكون مغمورة بأسرها فيه بحيث يمكن أن يفرض في جوفها نقطة تكون الخطوط الخارجة منها إلى سطح الماء متساوية من جميع الجهات مع أن الأمر اليوم ليس كذلك لانكشاف ربع شمالي من الأرض، وانحسار الماء عنه إما بسبب قرب الشمس في الجنوب إلى الأرض عند كونها في الحضيض بقدر ثخن المتمم المحوى كما قيل أو لأمر آخر يعلمه الله تعالى، الثاني‏:‏ أن ما ذكره من استحالة تخلخل الماء ممنوع عندهم أيضاً، وما يقال‏:‏ إن القول بالتخلخل لا يتصور في البسائط الحقيقية للزوم تركيب ما فيه مدفوع‏.‏

فقد صرح في حكمة العين وشرحها بأن التخلخل الحقيقي وهو أن يزداد مقدار الجسم من غير أن يزاد عليه شيء من خارج ممكن، وحققه سيد المحققين في حواشيه بأن الجسم سواء كان مركباً من الهيولى والصورة أو لم يكن يمكن التخلخل والتكاثف فيه لأن مقدار الجسم زائد عليه والجسم من حيث هو لا مقدار له في ذاته فنسبته إلى جميع المقادير على السواء فأمكن أن يتصف بأكبر مما هو متصف به أو أصغر، وأيضاً الجسم متصل واحد والمقدار زائد عليه والجسم البسيط جزؤه يساوي كله فإذا اتصف الكل بمقدار خاص فجزؤه إذا انفرد وجب أن يكون قابلاً للاتصاف بذلك المقدار والكل بالعكس ضرورة تساوي المتماثلات في الأحكام، وحينئذٍ يتحقق إمكان ذلك، والثالث‏:‏ أن التوجيه بحمل الإمكان على الإكان الذاتي الخ منظور فيه إذ لا يلزم من وقوع شيء في وقت من الأوقات إلا إمكان وجوده في ذلك الوقت وإن كان ذلك الإمكان مستمراً واجباً في جميع الأوقات، فقوله‏:‏ إن ثبوت الإمكان للممكن واجب، فالممكن في وقت ممكن في كل وقت إن أراد به أن إمكانه أمر ثابت له في كل وقت على أن قوله في كل وقت ظرف للإمكان فهو مسلم لكن اللازم منه أن يكون ذلك الشيء متصفاً بالإمكان إمكاناً مستمراً دائماً غير مسبوق بعدم الاتصاف ولا سابق عليه ولا يلزم منه أن يكون وجوده في كل وقت ممكناً لجواز أن يكون وجود الشيء في الجملة ممكناً إمكاناً مستمراً ولا يكون وجوده في كل وقت ممكناً بل ممتنع؛ ولا يلزم من هذا أن يكون الشيء من قبيل الممتنعات دون الممكنات فإن إمكان الشيء ليس معناه جواز اتصافه بجميع أنحاء الوجود بل معناه جواز اتصافه بوجود ما في الجملة فيكفي في إمكان الشيء جواز اتصافه بالوجود الواقع في وقت، والممتنع هو الذي لا يقبل الوجود بوجه من الوجوه، وإن أراد أنه ممكن الوجود في كل وقت على أن يكون في كل وقت ظرفاً للوجود فهو ممنوع ولا يتفرع على كون ثبوت الإمكان للممكن واجباً، فإنه قد حقق المحقق الدواني في بعض تصانيفه أن إمكان الممكن وإن كان مستمراً في جميع الأزمنة لا يستلزم إمكان وجود ذلك الممكن في تلك الأزمنة، وعلى هذا اعتمد المتكلمون في الجواب عن استدلال الفلاسفة على قدم العالم بأنه ممكن الوجود في الأزل وإلا لزم الانقلاب وهو محال بالضرورة، وقدرة الباري تعالى أزلية بالاتفاق فلو كان العالم حادثاً لزم ترك الجود وهو إفاضة الوجود وما يتبعه من الكمالات على الممكنات مدة غير متناهية وهو محال على الجواد الحق الكريم وحاصل الجواب‏:‏ أن قولكم العالم ممكن الوجود في الأزل إن أردتم به أنه يمكن له الوجود الأزلي على أن يكون في الأزل متعلقاً بالوجود فهو ممنوع لجواز أن يكون وجوده في الأزل ممتنعاً، وإن أردتم به أن إمكان وجوده في الجملة مستمر في الأزل على أن يكون الظرف متعلقاً بالإمكان فمسلم، ولا يلزم أن يكون وجود العالم في الأزل ممكناً لجواز أن يكون وجوده في الأزل مستحيلاً مع أنه في الأزل متصف بإمكان وجوده فيما لا يزال، وهذا ما يقال إنّ أزلية الإمكان لا تستلزم إمكان الأزلية، وما قيل في إثبات الاستلزام إن إمكانه إذا كان مستمراً في الأزل لم يكن هو في ذاته مانعاً من قبول الوجود في شيء من أجزاء الأزل فيكون عدم منعه منه أمراً مستمراً في جميع تلك الأجزاء، فإذا نظر إلى ذاته من حيث هو لم يمنع من اتصافه بالوجود في شيء منها بل جاز اتصافه به في كل منها بدلاً فقط بل معاً أيضاً، وجواز اتصافه في كل منها هو إمكان اتصافه بالوجود المستمر في جميع أجزاء الأزل بالنظر إلى ذاته فأزلية الإمكان مستلزمة لإمكان الأزلية صحيح إلى قوله‏:‏ لم يمنع من اتصافه بالوجود في شيء منها فإنه إن أراد أن ذاته لا تمنع في شيء من أجزاء الأزل من الاتصاف بالوجود في الجملة بأن يكون قوله في شيء منها متعلقاً بعدم المنع فيكون معناه أنه لا يمنع في شيء من أجزاء الأزل من الوجود بعده فهو بعينه أزلية الإمكان ولا يلزم منه عدم منعه من الوجود الأزلي الذي هو إمكان الأزلية، وإن أراد به أن ذاته لا تمنع من الوجود في شيء من أجزاء الأزل بأن يكون الجار متعلقاً بالوجود فهو بعينه إمكان الأزلية، والنزاع إنما وقع فيه فهو مصادرة على المطلوب، وليت شعري كيف صدر هذا الكلام من قائله مع أنّ من الموجودات ما هو إني الوجود كبعض الحروف ومع التصريح بأن ماهية الزمان تقتضي لذاتها عدم اجتماع أجزائها وتقدم بعضها على بعض إذ يلزم منه إمكان وجود كل من تلك الأجزاء في الأزل نظراً إلى ذاته، وتمام الكلام في ذلك يطلب من شرح المواقف وحواشيه‏.‏

وأورد على كون المراد بالخلاء الخلاء في عالمنا لأنه المتنازع فيه أنه صرح غير واحد بأن المتنازع فيه إنما هو الخلاء داخل العالم وحقيقته أن يكون الجسمان بحيث لا يتماسان وليس بينهما ما يماسهما بناءاً على كونه متقدراً قطعاً، وأما الخلاء خارج العالم فمتفق عليه إذ لا تقدر هناك بحسب نفس الأمر، فالنزاع إنما هو في التسمية بالبعد، فالفلاسفة يقولون حقه أن لا يسمى بعداً ولا خلاءاً، والمتكلمون يسمونه بعداً موهوماً ولا شك أن عالم كون العرش على الماء من داخل العالم فالخلاء فيه داخل في المتنازع فيه، وقد نص عليه أيضاً بعض المتأخرين‏.‏

ومن الناس من اعترض على قوله‏:‏ إنه لو كان موضوعاً على متن الماء للزم الخ بأن الأمور التي يلزم أحدها ذلك التقدير وهي فاسدة أكثر مما ذكر وسود وجه القرطاس ببيان ذلك وهو مما لا يحتاج إليه بل ولا يعول عليه، وزعم البعض أن ما راعاه القاضي في هذا الفصل ليس شيء منه مخالفاً للقواعد الإسلامية، ووسوست له نفسه أن خروج الماء عن حيزه مما لا يجوز لأن الله سبحانه إن كان موجباً بالذات فلا يتصور الإخراج منه سبحانه لأن نسبته إليه على السوية بحسب الأوقات فلا يمكن كونه قاصراً في بعض دون بعض، وإن كان مختاراً يقال‏:‏ إن ذلك الخروج ممتنع في نفسه وهو سبحانه لا يفعل الممتنع ولا تتعلق قدرته به، وكذا يقال في التخلخل والتكاثف، ويجوز أن يكون بالطبع وإلا لكانا دائمين لأن مقتضى الذات لا يتخلف عنه، وممن ذهب إلى امتناعهما الأصفهاني في شرح حكمة المطالع ثم تكلم منتصراً لنفسه‏.‏ وللقاضي‏.‏ بما لا يسمن ولا يغني، وقال ابن صدر الدين بعد نقل كلام العلامتين‏:‏ قد تقرر في علم الأبعاد والأجرام أن ليس لمجموع كرات العناصر بالنسبة إلى الفلك الأعظم الذي هو المراد بالعرش قدر محسوس فلا يتصور كونه موضوعاً على متن كرة الماء فإن ذلك إنما يكون إذا كان عظم كرة الماء بحيث يملأ جوف العرش مماساً محدّ به مقعره وإلا لم يكن موضوعاً على متنه الذي هو عبارة عن السطح المحدب بل إما أن لا يتماسا أصلاً أو يتماسا بنقطة على ما يشهد به التخيل الصحيح، وكيف يتصور كونه مالئاً له وهو الآن لم يمتلىء إلا بالسموات والأرض والكرسي والعناصر بجملتها، وليس لك أن تقول‏:‏ لعل الماء في ابتداء الخلقة قد كان على هذا المقدار الصغير الذي الآن عليه فتخلخل إلى حيث ملأ جوفه لامتناع الخلاء، فلما خلق سائر الأجرام العلوية والسفلية عاد بطبعه إلى ما تراه لأنا نقول‏:‏ التخلخل عبارة عن ازدياد مقدار الجسم من غير أن ينضم إليه شيء فيستدعي حركة أينية وهي تستدعي وجود فضاء خال عن الشاغل وهو المراد بالخلاء، وكذا ليس لك أن تقول‏:‏ فليكن في ابتداء الخلقة عظيم المقدار بحيث يملأ جوف العرش وتكاثف بعد خلق سائر الأجرام إلى هذا المقدار الصغير لأنا نقول أيضاً‏:‏ التكاثف الذي هو عبارة عن انتقاص مقدار الجسم من غير أن ينقص منه شيء سببه على ما تقرر عندهم أمران‏:‏ أحدهما‏:‏ التخلخل السابق العارض له بما يوجبه فإذا زال ذلك العارض عاد بطبعه إلى مقداره الأول كما في المد والجزر، وفي الصورة المذكورة لا يتصور هذا لأن المفروض أنه خلق ابتداءاً عظيم المقدار بحيث يملأ جوف العرش فكيف يتصور أن يتخلخل بعارض حتى يعود عند زواله إلى مقداره الطبيعي الصغير وهو ظاهر؛ وثانيهما‏:‏ الانجماد باستيلاء البرودة الشديدة، وهذا أيضاً لا يتصور ههنا أما أولاً فلأن الماء المنعقد جمداً وإن كان أصغر مقداراً منه غير منعقد لكنه لا إلى مرتبة لا يكون له قدر محسوس بالنسبة إلى مقداره الأول بل يقرب منه في الحس كما يشاهد في المياه المنعقدة ولا قدر لكرة الماء الموجود الآن بالنسبة إلى المالىء جوف العرش وهذا مثل أن ينعقد البحر فيصير كالعدسة ولا يلتزمه عاقل‏.‏

وأما ثانياً فلأن كرة الماء على ما يشاهد غير متجمدة بل باقية على طبعها من الذوبان، فإن قلت‏:‏ بقي على تقدير كون الماء في ابتداء الخلقة عظيم المقدار مالئاً لجوف العرش احتمال آخر وهو أن يفرز بعض أجزاء هذه الكرة العظيمة ويجعل مادة لسائر الأجرام السماوية والأرضية كما في سورة انقلاب بعض العناصر إلى بعض‏.‏

ويؤيده ما ورد في الأثر من أن العرش كان قبل خلق السموات والأرض على الماء، ثم أنه تعالى أحدث في الماء اضطراباً فأزبد فارتفع منه دخان وبقي الزبد على وجه الماء فخلق فيه اليبوسة فصار أرضاً، وخلق من الدخان السموات، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه‏:‏

‏{‏ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِىَ دُخَانٌ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 11‏]‏ قلنا‏:‏ إن هذا الاحتمال غير واقع أما على تقدير تركب الجسم من الهيولى والصورة على ما ذهب إليه المشاؤون من الفلاسفة فلأن هيولى العناصر وإن كانت واحدة بالشخص قابلة لأن يتوارد عليها صور العناصر بواسطة استعدادات متعاقبة تعرض إلا أن هيولى كل فلك مخالفة لهيولى فلك آخر لا تقبل إلا الصورة التي حصلت فيها، وأما على تقدير تركبه من الجواهر الفردة على ما هو مذهب أهل الحق فلأنها متخالفة الحقائق عند محققي المتأخرين على ما صرحوا به، فما يتركب منه الماء لا يجوز أن يتركب منه سائر الأجسام، وأما ما ورد في الأثر وأشارت إليه الآية من جعل الدخان المرتفع من الماء مادة للسموات فمصروف عن ظاهره إذ الدخان أجزاء نارية خالطتها أجزاء صغار أرضية تلطفت بالحرارة ولا تمايز بينهما في الحس لغاية الصغر، فقبل خلق السموات والأرض بما فيهما لم تكن نار وأرض، فمن أين يتولد الدخان‏؟‏ وكذا إن أريد بالدخان البخار لأنه أجزاء هوائية مازجتها أجزاء صغار مائية تلطفت بالحرارة بحيث لا تمايز بينهما في الحس أيضاً فحيث لا هواء لا بخار، ولهذا قال القاضي في تفسير ‏{‏وَهِىَ دُخَانٌ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 11‏]‏ أمر ظلماني، ولعله أراد به مادتها أو الأجزاء المتصغرة التي ركبت منها، ومن هنا ظهر أن ما في الأثر لا يؤيد كون العرش موضوعاً على متن الماء ملتصقاً به بل يؤيد أن لا يكون بينهما حائل إذ ارتفاع الدخان والبخار يستدعي وجود فضاء تتحرك فيه تلك الأجزاء، وفي صورة الالتصاق لا يمكن ذلك كما لا يخفى على من له تخيل سليم‏.‏

ويعلم مما ذكر أنه يجب تفسير الآية بما فسرها به القاضي ولا مجال للقول بالوضع على المتن فيتم الاستدلال، وأما قول أبي السعود‏:‏ إنه لو دل الخ ففيه أن الوقوع أدل دليل على إمكان الشيء، ومثل هذا الاستدلال شائع ذائع في كلامهم، وأما أن المراد بالإمكان الإمكان الوقوعي فكلا إذ النزاع في الإمكان لا الوقوع، وما ينقل عن الأصمعي من أن هذا كقولهم السماء على الأرض مع أن أحدهما ليس ملتصقاً بالآخر، وحينئذٍ يكون معنى قول القاضي‏:‏ لم يكن حائل بينهما أنه لم يكن حائل محسوس بينهما وكان حائل غير محسوس وهو الهواء ليس بشيء ولا يصلح ما ذكر معنى لذلك إذ الفوقية كانت قبل خلق جميع أجرام هذا العالم فعلى تقدير عدم الالتصاق لا يتصور حائل أصلاً، ثم بين وجه دلالة الآية على أن الماء أول حادث بعد العرش بنحو ما قدمنا ذكره انتهى المراد منه‏.‏

وأقول‏:‏ إن هذا الاحتمال الذي أجاب عنه بزعمه قوي جداً، وما ذكره عن محققي المتأخرين صرح الجمهور بخلافه، وقد حقق ذلك في موضعه فلا مانع من أن يخلق الله تعالى من الماء الأجرام السماوية والأرضية بل وكل شيء، وما ذكره في حيز تعليل صرف الأثر عن ظاهره ليس بشيء أصلاً إذ يجوز أن يحيل سبحانه بعض ذلك الماء المالىء أجزاء نارية وبعضه أجزاء أرضية ويجعل المجموع دخاناً، وكذا يجوز أن يحيل البعض أجزاء هوائية فتمازج أجزاء صغاراً مائية متلطفة بحرارة يخلقها حيث شاء فيتكون البخار، وفي الأثر عن وهب بن منبه أنه جل شأنه قبض قبضة من الماء ثم فتح القبضة فارتفع الدخان ثم قضاهن سبع سموات في يومين ويؤول حديث الارتفاع بما لا يستدعي الفضاء نحو أن يكون المعنى فوجد بعضه دخاناً مرتفعاً، وقد يقال‏:‏ يجوز أن يكون الماء في ابتداء الخلقة مالئاً للعرش ثم أنه سبحانه لما أراد أن يخلق ما يخلق أفنى منه ما أراد وخلق بلا فاصل يتحقق معه الخلاء بدله ما خلق لا من شيء، والقول باستحالة هذا الخلق مفض إلى فساد عظيم وخطب جسيم لا يكاد يستسهله أحد من المسلمين وهو ظاهر، وما ذكره في دفع قول شيخ الإسلام‏:‏ أنه لو دل لدل الخ غير ظاهر فيه، قيل‏:‏ إذ الاعتراض بطريق أنه لو دل لدل على وجود الخلاء لا على إمكانه الصرف لأن الشيء إذا كان موجوداً كان وجوده ضرورياً لا ممكناً صرفاً على ما بين في محله، وينادي على أن الاعتراض كذلك تقييد الإمكان في عبارته بقيد فقط مع القول بالدلالة على الوجود‏.‏

وأورد بعضهم على قوله‏:‏ قد تقرر في علم الأبعاد والأجرام الخ أن ذلك مبني على ظن أن الماء في الآية هو الماء العنصري وأنه من بعض الظن إذ ذاك إنما خلق بعد خلق الأرض فكيف يتصور أن يكون العرش الذي خلق قبل السموات والأرض عليه فضلاً عن أن يكون موضوعاً على متنه أو غير موضوع عليه من غير حائل بينهما، وإنما هو الماء الطبيعي النوري العمائي الذي تكون العرش منه، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره، ونظير ذلك ما قاله الكامل بن الكمال‏:‏ ليس المراد من العرش تاسع الأفلاك، ولا من الماء أحد العناصر لما شهد بذلك شهادة صحيحة لا مرد لها ما أخرجه مسلم في صحيحه من قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «كان الله تعالى ولم يكن معه شيء وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض» فلا وجه للاستدلال به على إمكان الخلاء، وأن الماء أول حادث بل عرشه سبحانه عبارة عن قيوميته بناءاً على أنه في الأصل سرير الملك وهو مظهر سلطانه، والماء إشارة إلى صفة الحياة باعتبار أن منه كل شيء حي، فمعنى ‏{‏وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء‏}‏ وكان حياً قيوماً، وفي لفظة ‏{‏على‏}‏ تنبيه على ترتب أحدهما على الآخر فتدبر انتهى‏.‏

ولعل وجه شهادة الخبر بذلك النفي تضمنه على تقدير الإثبات ما ينافي ما تضمنه النفي فيه إذ يكون حينئذ شيآن معه سبحانه فضلاً عن شيء، ولا يخفى أن هذا إنما يتم لو كانت الجملة الماضوية في موضع الحال، والظاهر أنها كغيرها معطوفة على الجملة المستأنفة، وليس في الكلام ما يقتضي أن المعنى ‏{‏وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء‏}‏ مع وجوده تعالى بدون معية شيء له ليضطر إلى حمل الماء والعرش على ما علمت من صفتيه تعالى، ولا أرى في الحديث أكثر من إفادة ثبوت ما تضمنته المتعاطفات قبل حلق السموات والأرض، وأما أن كونه تعالى ولم يكن معه شيء وكون عرشه سبحانه على الماء، وكتابته في الذكر ما كتب كلها في وقت واحد هو وقت وجوده تعالى الواقع بعده خلق السموات والأرض بمهلة وتراخ فلا أراه، وقد جاء في بعض الروايات عطف الخلق على ما قبله بالواو كسائر المعطوفات‏.‏

أخرج أحمد‏.‏ والبخاري‏.‏ والترمذي‏.‏ والنسائي‏.‏ وغيرهم عن عمران بن حصين قال‏:‏ «قال أهل اليمن‏:‏ يا رسول الله أخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان‏؟‏ قال‏:‏ كان الله تعالى قبل كل شيء وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح الحفوط ذكر كل شيء وخلق السموات والأرض» الخبر، ثم إنه لا يتم أمر الشهادة بمجرد ما تقدم بل لا بد أيضاً من حمل الكتابة في الذكر على التقدير، ونفى أن يكون هناك كتابة ومكتوب فيه حسبما يتبادر منهما، ويلتزم هذا في الخبر الثاني أيضاً، ومع ذلك يعكر على القول بكون زمن التقدير متحداً كزمن قيوميته وحياته تبارك وتعالى مع زمن وجوده سبحانه ما أخرج مسلم‏.‏ والترمذي‏.‏ والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن الله تعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء» لأن أجزاء الزمان الموهوم الفاصل بين زمان وجوده تعالى ووجود صفاته وزمان وجود الخلق غير متناهية، فكيف تقدر بخمسين ألف سنة وضربها في نفسها وضرب الحاصل من ذلك بنفسه ألف ألف مرة أقل قليل بل لا شيء يذكر بالنسبة إلى غير المتناهى؛ ويعارض هذه الشهادة أيضاً ما تقدم في حديث أبي رزين العقيلي من قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «وخلق عرشه على الماء» فإنه نص في أن العرش مخلوق، ولا يجوز أن تكون القيومية مخلوقة، وكذا ما روي عن كعب من أنه سبحانه خلق ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماءاً، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء، وجاء حديث كون الماء على متن الريح عن ابن عباس، وقد أخرج ذلك عنه ابن جرير‏.‏

وابن المنذر‏.‏ والحاكم وصححه‏.‏ والبيهقي‏.‏ وغيرهم، وإباء ما ذكر عن كون الماء بمعنى صفة الحياة له تعالى ظاهر، ومثله ما أخرجه ابن أبي حاتم‏.‏ وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس أنه قال‏:‏ كان عرشه سبحانه على الماء فلما خلق السموات والأرض قسم ذلك الماء قسمين فجعل نصفاً تحت العرش وهو البحر المسجور فلا تقطر منه قطرة حتى ينفخ في الصور فينزل منه مثل الطل فتنبت منه الأجسام، وجعل النصف الآخر تحت الأرض السفلى، ولعل وجه الأمر بالتدبر في كلام هذا الفاضل الإشارة إلى ما ذكرنا‏.‏

وبالجملة لا شك أن المتبادر من الماء ما هو أحد العناصر ومن العرش الجسم الذي جاء في الأخبار من وصفه ما يبهر العقول وشهادة الخبر السابق مع كونها شهادة نفي عارضتها شهادات إثبات غير نص في المطلوب كما علمت، ومن كون العرش على الماء ما يعم الشقين كونه موضوعاً على متنه مما ساله وكونه فوقه من غير أن يكون بينهما ما يماسهما، وتخصيصه بالشق الثاني مما لا يتم له دليل ولا يصفو عن القال والقيل، وأن الآية لا تصلح دليلاً على كون الماء أول حادث بعد العرش، ومن رجع إلى الأخبار المعول عليها رأي بعضها كخبر أبي رزين الذي حسنه الترمذي ظاهراً في أن الماء قبل العرش، وقصارى ما يقال في هذا المقام‏:‏ إن الحق مع شيخ الإسلام وأن نصرة القاضي وإن كان ناصر الدين نصرة خارجة عن الطريق المستبين، فلا تلتفت هداك الله سبحانه إلى من أطال في ذلك بلا طائل، وأتى بكلام لا يشبه كلام عاقل، وزعم أن ذاك من الحكمة وهو عنها علم الله بمراحل، ولولا الوقوع في العبث لنقلناه ونبهنا على ما فيه، وإن كان حال ظاهره مؤذناً بحال خافيه، نعم قد يقال‏:‏ إن البيضاوي إنما ذكر أنه استدل بالآية على كذا وكذا، ولم يدّع أن فيها دليلاً على ذلك، فما يتوجه من الاعتراضات إنما يتوجه على المستدل دونه وكأنه من وجه إليه ذلك ادعى ارتضاءه للاستدلال بدليل ما وطأه له من المقال، وزعم الجبائي أن في الآية دلالة على أنه كان قبل خلق السموات والأرض حي مكلف لأن خلق العرش على الماء لا وجه لحسنه إلا أن يكون فيه لطف بمكلف يمكنه الاستدلال به، ورده على ابن عيسى بأنه لا يلزم ذلك ويكتفي بكون الأخبار به نافعاً للمكلفين واختاره المرتضى، ومنشأ ذلك الاعتزال، والله تعالى الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب‏.‏

‏{‏لِيَبْلُوَكُمْ‏}‏ اللام للتعليل مجازاً متعلقة بـ ‏{‏خُلِقَ‏}‏ أي خلق السموات والأرض وما فيهما من المخلوقات التي من جملتها أنتم، ورتب فيهما جميع ما تحتاجون إليه من مبادي وجودكم وأسباب معاشكم وأودع في تضاعيفهما ما تستدلون به من تعاجيب الصنائع والعبر على مطالبكم الدينية ليعاملكم معاملة من يختبركم‏.‏

‏{‏أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً‏}‏ فيجازيكم حسب أعمالكم، وقيل‏:‏ متعلق بفعل مقدر أي أعلم بذلك ‏{‏لِيَبْلُوَكُمْ‏}‏ وقيل‏:‏ التقدير وخلقكم ‏{‏لِيَبْلُوَكُمْ‏}‏ وقيل‏:‏ في الكلام جملة محذوفة أي وكان خلقه لهما لمنافع يعود عليكم نفعها في الدنيا دون الآخرة وفعل ذلك ‏{‏لِيَبْلُوَكُمْ‏}‏ والكل كما ترى، والابتلاء في الأصل الاختبار والكلام خارج مخرج التمثيل والاستعارة، ولا يصح إرادة المعنى الحقيقي لأنه إنما يكون لمن لا يعرف عواقب الأمور‏.‏

وقيل‏:‏ إنه مجاز مرسل عن العلم للتلازم بين العلم والاختبار، وهو محوج إلى تكلف أن يراد ليظهر تعلق علمه الأزلي وإلا فالعلم القديم الذاتي ليس متفرعاً على غيره، وما تقدم لا تكلف فيه، وهو مع بلاغته مصادف محزه، والمراد بالعمل ما يشمل عمل القلب وعمل القالب، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن جرير‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ والحاكم في التاريخ‏.‏ وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏{‏لِيَبْلُوَكُمْ‏}‏ الخ فقلت‏:‏ ما معنى ذلك يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ليبلوكم أيكم أحسن عقلا، ثم قال‏:‏ وأحسنكم عقلاً أورعكم عن محارم الله تعالى وأعملكم بطاعة الله تعالى» لكن ذكر الحافظ السيوطي أن سنده واه‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان أن معنى ‏{‏أَحْسَنُ عَمَلاً‏}‏ أزهد في الدنيا، وعن مقاتل أتقي لله تعالى، وعن الضحاك أكثرهم شكراً، ولعل أخذ العمل شاملاً للأمرين أولى، وأفضلها ما كان عمل القلب كيف لا ومدار العبادة القالبية الواجبة على العباد معرفة الله تعالى التي تحل القلب، وقد يرفع به للعبد في يوم مثل عمل أهل الأرض‏.‏

وفي بعض الآثار «تفكر ساعة يعدل عبادة سبعين سنة» واعبتار خلق السموات في ضمن المفرع عليه لما أن في السموات مما هو من مبادي النظر وتهيئة أسباب المعاش الأرضية التي بها قوام القالب ما لا يخفى، وقريب من هذا أن ذكر السموات وخلقها لتكون أمكنة الكواكب والملائكة العاملين فيها لأجل الإنسان‏.‏

وقال بعض المحققين‏.‏ إن كون خلق الأرض وما فيها للابتلاء ظاهر، وأما خلق السموات فذكر تتميماً واستطراداً مع أن السموات مقر الملائكة الحفظة وقبلة الدعاء ومبهط الوحي إلى غير مما له دخل في الابتلاء في الجملة، ولعل ما أشير إليه أولاً أولى، وجملة الاستفهام في موضع المفعول الثاني لفعل البلوي على المشهور، وجعل في الكشاف الفعل هنا معلقاً لما فيه من معنى العلم، ومنع في سورة الملك تسمية ذلك تعلقاً مدعياً أنه إنما يكون إذا وقع بعد الفعل ما يسدّ مسدّ المفعولين جميعاً كعلمت أيهما فعل كذا‏.‏

وعلمت أزيد منطلق وبين كلاميه في السورتين اضطراب بحسب الظاهر، وأجاب عنه في الكشف بما حاصله أن للتعليق معنيين‏:‏ مصطلح ويعدى بعن وهو المنفى في تلك السورة‏.‏ ولغوي ويعدى بالباء وعلى، وهو خاص بفعل القلب من غير تخصيص بالسبعة المتعدية إلى مفعولين ولا يكون إلا في الاستفهام خاصة دون ما فيه لام الابتداء ونحوه، ومعنى تعليق الفعل على ما فيه ذلك أن يرتبط به معنى وإعراباً سواء كان لفظاً أو محلا وهو المثبت ههنا، وقال الطيبي‏:‏ يمكن أن يكون ما هنا على إضمار العلم كأنه قيل‏:‏ ‏{‏لِيَبْلُوَكُمْ‏}‏ فيعلم ‏{‏أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً‏}‏ والتعليق فيه ظاهر، وما هناك على تضمين الفعل معنى العلم كأنه قيل‏:‏ ليعلمكم أيكم الخ فيصح النفي، ولا يخفى على من راجع كلامه أن فيه ما يأبى ذلك، وقد يقال‏:‏ إن التعليق لا يختص بما كان من الأفعال بمعنى العلم كما ذهب إليه ثعلب‏.‏ والمبرد‏.‏ وابن كيسان، وإن وجهه أويس بما في همع الهوامع، ورجحه الشلوبين، ولا بالفعل القلبي مطلقاً بل يكون فيه وفي غيره مما ألحق به لكن من الاستفهام خاصة، واقتصر بعضهم في الملحق على بصر‏.‏ وتفكر‏.‏ وسأل وزاد ابن خروف نظر ووافقه ابن عصفور‏.‏ وابن مالك، وزاد الأخير نسى كما في قوله‏:‏ ومن أنتم إنا نسينا من أنتم *** ونازعه أبو حيان بأن من تحتمل الموصولية والعائد محذوف أي من هم أنتم، وكذا زاد أيضاً ما قارب المذكورات من الأفعال التي لها تعلق بفعل القلب كترى البصرية في قوله‏:‏ أما ترى أي برق هنالك، وكيستنبئون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 53‏]‏ وكنبلو فيما نحن فيه، ونازعه أبو حيان بأن ترى في الأول علمية، وأيكم في الأخير موصولة حذف صدر صلتها فبنيت وهي بدل من ضمير الخطاب بدل بعض، ونقل ذلك عنه الجلال السيوطي ولم أجده في بحره، وفي الرضى أن جميع أفعال الحواس تعلق عن العمل، وفي التسهيل ما يؤيده، وأجاز يونس تعليق كل فعل غير ما ذكر، وخرج عليه ‏{‏ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 69‏]‏ والجمهور لم يوافقوه على ذلك، وقد ذكر بعض الفضلاء أن الفعل القلبي وما جرى مجراه إما متعد إلى واحد أو اثنين، فالأول يجوز تعليقه سواء تعدى بنفسه كعرف، أو بحرف كتفكر لأن معموله لا يكون إلا مفرداً، وبالتعليق بطل عمله في المفرد الذي هو مقتضاه وتعلق بالجملة، ولا معنى للتعليق إلا إبطال العمل لفظاً لا محلا وإن تعدى لاثنين، فإما أن يجوز وقوع الثاني جملة كما في باب علم أولا، فإن جاز علق عن المفعولين نحو علمت لزيد قائم لا عم الثاني لأنه يكون جملة بدون تعليق فلا وجه لعده منه إذ لا فرق بين أداة التعليق وعدمها فالتعليق لا يبطل عمل الفعل أصلاً كما في علمت زيداً أبوه قائم، وعلمت زيداً لا أبوه قائم، فإن عمله في محل الجملة لا فرق فيه بين وجود حرف التعليق وعدمه وإن لم يجز، وورد فيه كلمة تعليق كان منه نحو

‏{‏يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 215‏]‏ فإن المسؤول عنه لا يكون إلا مفرداً‏.‏

والفعل فيما نحن فيه يحتمل أن يكون عاملاً فيما بعده وهو المختبر به غير متضمن علماً، وفعل البلوي إذا كان كذلك يتعدى بالباء إلى المختبر به ولا يكون إلا مفرداً كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 155‏]‏ والاستفهام قد أبطل مقتضاه لفظاً وهو التعليق، ويحتمل أن يكون متضمناً معنى العلم ويكون العلم عاملاً فيه وهو مفعوله الثاني، وحينئذ لا تعليق، ومن هنا يظهر أن تعليق الفعل في الآية إنما هو على تقدير إعمال فعل البلوى، وعدم تعليقه على تقدير إعمال العلم فلا منافاة بين الكلامين انتهى وهو تفصيل حسن، وفي الهمع أن الجملة بعد المعلق في باب علم وأخواتها في موضع المفعولين فإن كان التعليق بعد استيفاء المفعول الأول فهي في موضع المفعول الثاني، وأما في غير هذا الباب فإن كان الفعل مام يتعدى بحرف الجر فالجملة في موضع نصب باسقاطه نحو فكرت أهذا صحيح أم لا، وجعل ابن مالك منه ‏{‏فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أزكى طَعَامًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 19‏]‏ وإن كان مما يتعدى لواحد فهي في موضعه نحو عرفت أيهم زيد، فإن كان مفعوله مذكوراً نحو عرفت زيداً أبو من هو، فالجملة بدل منه على ما اختاره السيرافي‏.‏ وابن مالك، وهو بدل كل من كل بتقدير مضاف أي قصة زيد أو أمره عند ابن عصفور، والتزم ذلك ليكون المبدل منه جملة في المعنى، وبدل اشتمال ولا حاجة إلى التقدير عند ابن الصائغ، وذهب المبرد والأعلم‏.‏ وابن خروف‏.‏ وغيرهم إلى أن الجملة في موضع نصب على الحال، وذهب الفارسي إلى أنها في موضع المفعول الثاني لعرفت على تضمينه معنى علمت، واختاره أبو حيان وفيه نوع مخالفة في الظاهر لما تقدم تظهر بالتأمل إلا أنه اعترض القول بأن ما بعد فعل البلوي مختبر به بأن المختبر به إنما هو خلق السموات والأرض، وأجيب بأن ذلك وإن كان في نفس الأمن مختبراً عنه والمختبر به ما ذكر إلا أنه جعل مختبراً به باعتبار ترتبه على ذلك، ولا يحفى ما فيه، وقال بعض أرباب التحقيق في دفع المخالفة‏:‏ إن الزمخشري جعل قوله سبحانه هنا‏:‏ ‏{‏لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً‏}‏ بجملته استعارة تمثيلية فتكون مفرداته مستعملة في معناها الحقيقي معطاة ما تستحقه، وفعل البلوي يعلق عن المفعول الثاني لأنه لا يكون جملة إذ هو يتعدى له بالباء وحرف الجر لا يدخل على الجمل، وجرى التعليق فيه بناءاً على أنه مناسب لفعل القلوب معنى، وقد صرح غير واحد بجريانه في ذلك وجعله ثمة مستعاراً لمعنى العلم، والفعل إذ تجوز به عن معنى فعل آخر عمل عمله وجرى عليه حكمه، وعلم لا يعلق عن المفعول الثاني فكذا ما هو بمعناه فيكون قد سلك في كل من الموضعين مسلكاً تفننا، وكثيراً ما يفعل ذلك في كتابه، ولعله لم يعكس الأمر لأن ما فعله في كل أنسب بما قبله من خلق السموات والأرض وما فيها من النعم والمنافع وخلق الموت والحياة، ولا يخفى أن هذا قريب مما تقدم وفيه ما فيه‏.‏

والاتيان بصيغة التفضيل الدالة على الاختصاص بالمختبرين ألا حسنين أعمالاً مع شمول الاختبار لفرق المكلفين وتتفاوت أعمال الكفار منهم إلى حسن شرعي وقيبح لا إلى حسن وأحسن كما في أعمال المؤمنين للتحريض على أحاسن المحاسن، والتحضيض على الترقي دائماً لدلالته على أن الأصل المقصود بالاختبار ذلك الفريق ليجازيهم أكمل الجزاء فكأنه قيل‏:‏ المقصود أن يظهر أفضليتكم لأفضلكم فإن ذلك مفروغ عنه لا يحيد عنه ذولب، وجوز أن يكون من باب الزيادة المطلقة وأن يكون من باب ‏{‏أي الفريقين خير مقاماً‏}‏، ‏[‏مريم‏:‏ 73‏]‏ وأياً مّا كان فالخطاب ليس خاصاً بالمؤمنين لأن إظهار حال غيرهم مقصود أيضاً لكنه لا بالذات على الوجه الأول‏.‏

‏{‏وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت لَيَقُولَنَّ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ‏}‏‏.‏ أي مثله في الخديعة والبطلان، فالتركيب من التشبيه البليغ، والإشارة إلى القول المذكور، وجوز أن تكون للقرآن كأنه قيل‏:‏ لو تلوت عليهم من القرآن ما فيه إثبات البعث لقالوا هذا المتلو يحر، والمراد إنكار البعث بطريق الكناية الايكائية لأن إنكار البعث إنكار للقرآن، وقيل‏:‏ إن الاخبار عن كونهم مبعوثين وإن لم لم يجب عن كونه بطريق الوحي المتلو إلى أنهم عند سماعهم ذلك تخلصوا إلى القرآن لانبائه عنه في كل موضع وكونه علماً عندهم في ذلك فعمدوا إلى تكذيبه، وتسميته سحراً تمادياً منهم في العناد وتفادياً عن سنن الرشاد وهو خلاف الظاهر، وقيل‏:‏ الإشارة إلى نفس البعث، وتعقب بأنه لا يلائمه التسمية بالسحر فإنه إنما يطلق على شيء موجود ظاهراً لا أصل له في الحقيقة، ونفس البعث عندهم معدوم بحت، وفيه بحث لجواز أنهم أرادوا من السحر الأمر الباطل والشيء الذي لا أصل له ولا حقيقة لشيوعه فيما بينهم بذلك حتى كأنه علم له‏.‏

وجوز أن تكون الإشارة إلى القائل، والاخبار عنه بالسحر للمبالغة، والخطاب في ‏{‏إِنَّكُمْ‏}‏ إن كان لجميع المكلفين فالموصول مع صلته للتخصيص أي ليقولنّ الكافرون منهم، وإن كان للكافرين فذكر الموصول ليتوصل به إلى ذمهم بعنوان الصلة، وتعلق الآية الكريمة بما قبلها إما من حيث أن البعث من تتمات الابتلاء المذكور فيه كأنه قيل‏:‏ الأمر كما ذكر، ومع ذلك إن أخبرتهم بمقدمة فذة من مقدماته وقضية فردة من تتماته يقولون ما يقولون فضلاً عن أنهم يصدقون بما وقع هذا تتمة له، وإما من حيث أن البعث خلق جديد فكأنه قيل‏:‏ وهو الذي خلق جميع المخلوقات ليترتب عليها ما يترتب، ومع ذلك إن أخبرتهم بأنه سبحانه يعيدهم تارة أخرى وهو أهون عليه يعدون ذلك ما يعدون فسبحان الله عما يصفون‏.‏

وقرأ عيسى الثقفي ‏{‏وَلَئِن قُلْتَ‏}‏ بضم التاء على أن الفعل مسند إليه تعالى أي ‏{‏وَلَئِن قُلْتَ‏}‏ ذلك في كتابي المنزل عليك ‏{‏لَّيَقُولَنَّ الذين كَفَرُواْ‏}‏ الخ، وفي البحر أن المعنى على ذلك ‏{‏وَلَئِن قُلْتَ‏}‏ مستدلاً على البعث من بعد الموت إذ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الذى خَلَقَ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 4‏]‏ الخ دلالة على القذرة العظيمة، فمتى أخبر بوقوع ممكن وقع لا محالة وقد أخبر بالبعث فوجب قبوله وتيقن وقوعه انتهى وهو لدى الذوق السليم كماء البحر‏.‏

وقرأ الأعمش ‏{‏إِنَّكُمْ‏}‏ بفتح الهمزة على تضمين ‏{‏قُلْتَ‏}‏ معنى ذكرت ‏{‏وَلَئِن قُلْتَ‏}‏ ذاكراً ‏{‏إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ‏}‏ فإن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول للذكر، واستظهر بعضهم كون القول بمعنى الذكر مجازاً، وتعقب بأن الذكر والقول مترادفان فلا معنى للتجوز حينئذ، ولما كان القول باقياً في التضمين جاء الخطاب على مقتضاء‏.‏

وجوز أن تكون أن بمعنى علّ، ونقل ذلك عن سيبويه، وجاء ائت السوق علك تشتري لحماً وأنك تشتري لحماف، وهي لتوقع المخاطب لكن لا على سبيل الأخبار فإنهم لا يتوقعون البعث بل على سبيل الأمر كأنه قيل‏:‏ توقعوا بعثكم ولا تبتوا القول بانكاره، وبذلك يندفع ما يقال‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم قاطع بالبعث فكيف يقول لعلكم مبعوثون، وأيضاً القراءة المشهورة صريحة في القطع والبت، وهذه صريحة في خلافه فيتنافيان، ومنهم من قال‏:‏ يجوز أن يكون هذا من الكلام المنصف والاستدراج فربما ينتبهون إذا تفكروا ويقطعون بالبعث إذا نظروا‏.‏

وقرأ حمزة‏.‏ والكسائي إلا ساحر والإشارة إلى القائل، ولا مبالغة في الإحبار كما كانت على هذا الاحتمال في قراءة الجمهور، ويجوز أن تكون للقول أو للقرآن، وفيه من المبالغة ما في قولهم‏:‏ شعر شاعر‏.‏